الصفحة 9 من 29

ولولا مناسبة اتصال الباحثين العرب، من أمثال: الدكتور غنيمي هلال، و الدكتور أحمد ضيف، وغيرهم في منتصف القرن العشرين، بالمؤسسات الأكاديمية الغربية، ما تأتي للدرس الأدبي المقارن أن يستقل بإطار علمي ومنهجي خاص، يستقل به، ويتطور فيه، على المستوى الأكاديمي العربي.

لذلك لا نجد مبررًا لهذه اللغة المُشبعة بالإيحاءات في كلام الدكتور سعيد علوش، وهو يوظّف مفردة (تهجير) ؛ ذلك أن جهد الدكتور محمد غنيمي هلال في كتابه التأسيسي (الأدب المقارن) الذي صدرت طبعته الأولى عام 1953 يُدرج تاريخيًا في إطار تأسيس البدايات، التي وجدت في أفكار المقارنين الفرنسيين مرجعيتها، وأسباب تشكلها، ولا نستطيع أن نلوم الدكتور هلال على عدم سعيه لتطوير أدوات بحثه في الأدب المقارن؛ ذلك أن المنهج التاريخي كان المهيمن زمن دراسته في فرنسا، وأن النقاش الحادّ حول صوابية هذا المنهج، وكفاءته، للقيام بدراسات مقارنة فعّالة، ومنتجة معرفيًا وأدبيًا، لم ينشط إلا مع نهاية عقد الستينيات (1958) ،عندما أعلن المقارن الأمريكي رينيه ويليك رفضه للمنهج التاريخي.

إن طبيعة البدايات، والصفات الملازمة لمرحلة التأسيس، تحتم أن نقرأ للدكتور محمد غنيمي هلال أداءً فكريًا ينسجم مع المطروح في المدرسة الفرنسية، التي هيمن فيها المنهج التاريخي، وساد في دراساتها تصور المقارنة القائم على مبدأ التأثير والتأثر، ودراسة المصادر والتيارات الأدبية، التي يسهل معها تأكيد العلاقة بين طرفي المقارنة.

لقد كان الدكتور عز الدين المناصرة أكثر قربًا من الموضوعية، عندما أُسند إلى الدكتور هلال دور المؤسس المنهجي للأدب المقارن عربيًا، وعندما لم يسع وراء التعليق على نوع البحث الذي اعتمده الدكتور هلال، محتفظًا له بهذا الحق التاريخي؛ بوصفه المؤسس والرائد للأدب المقارن عربيًا، وقد وعى الدكتور المناصرة أن منجز الدكتور هلال كان متسقًا مع طبيعة المرحلة بكل أبعادها. في حين أظهر الدكتور سعيد علوش تفاعلًا واضحًا مع المناهج اللاحقة في الأدب المقارن، وبالذات الانعطافة المنهجية المهمة التي جاء بها المقارنون الفرنسيون المتأخرون، مثل: رينيه إيتامبل، وكلود بيشوا، دون أن يقدّر أن الدكتور هلال كان يصدر في دراساته عن قبول للمقولات والأطروحات السائدة في تلك المرحلة من عمر هذا العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت