(علم التناص المقارن) ، احتفظ الدكتور المناصرة بالتأكيد ذاته على ريادة الدكتور محمد غنيمي هلال لعلم الأدب المقارن في المجال الثقافي والفكري العربي، بل إنه جعل منه صاحب مدرسة في الأدب المقارن على المستوى العربي، وهو يشير بذلك إلى تبني الدكتور هلال للمنهج التاريخي في دراساته المُقارنة، وهو منحى استقلّ به، وعُرف عنه. (كما هي حال مدرسة غنيمي هلال في الأدب المقارن التي لعبت دورًا مهمًا في ترسيخ المنهج التاريخي منذ عام 1953، وحتى مطلع الثمانيات من القرن العشرين، وقد تأثر بها معظم المقارنين العرب) 8.
أما الدكتور سعيد علوش فقد أسند إلى الدكتور محمد غنيمي هلال دور (أول مؤصل لهجرة المادة، ناقلًا بأمانة الآفاق الغربية التي وصل إليها الأدب المقارن، نظرية وتطبيقًا) 9، وأن كتابه (الأدب المقارن) يُعد (نموذجًا فريدًا في تهجير الأفكار الغربية نحو الشرق، إذ يظهر على أن غنيمي لم يطور فيها شيئًا بل استمر على اجترار الدرس الفرنسي المقارن) 10.
لقد التقى المقارنان الدكتور عز الدين المناصرة، و الدكتور سعيد علوش حول فكرة أن الدكتور محمد غنيمي هلال قد كان الموطّن لهذا الحقل من حقول المعرفة الأدبية في المؤسسة الجامعية العربية، وقد كان الموطّن الحقيقي؛ لأنه المتخصص فيه، والمطّلع على حقيقة نظرياته، وعلى المنهج المعتمد في المرحلة الأولى التأسيسية للأدب المقارن.
فإلى الدكتور هلال يعود فضل التأسيس المنهجي لهذا العلم على المستوى العربي، ومعه بدأت الانطلاقة العلمية الحقيقية لهذا العلم، وما كان من محاولات سابقة تزامنت مع بدايات تدريس هذا العلم في الجامعة المصرية، و التي قام بها كل من نجيب العقيقي، وعبد الرزاق حميدة، وإبراهيم سلامة، فهي لم تكن في الحقيقة إلا محاولات أتاح لها وضع الأمر الواقع فرصة الظهور، والحضور؛ ذلك أن المادة قد قُررت جامعيًا، وكانت هناك ضرورة أن يتكفّل أحد تدريسها، وإن لم تتوافر له الإمكانات الضرورية لإنجاز هذه المهمة، والتي من أهمها: إتقان لغات أخرى، والتزود بالعدة المنهجية اللازمة.
لقد سجل الأدب المقارن نشأته عربيًا، في السياق العام للثقافة العربية الحديثة، كباقي أنساق المعرفة الأخرى، التي اعتمدت جميعها على مبدأ التأثر بالنموذج المعرفي الغربي، وبتبني مقولاته الفكرية والمعرفية، وباستدعاء ما ينشأ عنده من معارف وعلوم. وقد كان النموذج الغربي البديل الحاضر، أمام شغف العقل العربي، في النصف الأول من القرن العشرين؛ للتجديد والتحديث، ومسايرة تطور تاريخ المعرفة الإنسانية.