كانت هذه الظروف مجتمعة ما هيأ لظهور الأدب المقارن، والتي نلاحظ عليها أنها زواجت بين ميلين: نفسي، عقلي. ميلٌ نفسي دفع باتجاه التقارب بين القوميات والحضارات، وبخاصة القوميات الأوروبية، من خلال ملاحظة، ورصد أوجه التأثير والتأثر بينها، وهو النسق المقارني الذي أسس لبدايات الأدب المقارن، اعتمادًا على التصور التاريخي. وميل عقلي؛ أوجدته مآلات التفكير الإنساني الغربي، الذي صار أكثر حرصًا على منح مقاربته للظواهر الإنسانية صفة العلمية؛ بحيث تخضع مكوّنات هذه الظواهر للنقاش والمساءلة العقلانيتين، وهو ما لن يتحقق إلا في إطار الاستقرار في مجال معرفي وحقلٍ علمي محدد؛ فكانت نشأة الأدب المقارن في البيئة الثقافية الغربية، استجابة لهذه الظروف، ونتيجة لها. والأدب المقارن، في الحقيقة، علم مؤسساتي بامتياز، بخلاف النقد الأدبي، مثلًا، الذي تنقّل بين المؤسسة الأكاديمية، ومختلف فضاءات التواصل الأدبي الأخرى غير الأكاديمية، كالمنتديات، والجمعيات والصالونات الأدبية ... التي مكّنت كثيرًا للنقاش حول الأدب: قضايا ونصوصًا أدبية. أما الأدب المقارن، فقد كان، منذ بداياته، نظامًا علميًا من الأفكار المتسقة في إطار منهجي، يؤيد ذلك أنه نشأ مصحوبًا مباشرة بالمنهج، وهو المنهج التاريخي القائم على مبدأ التأثير والتأثر، وتاريخية العلاقات الأدبية بين طرفي المقارنة كما تنطق بذلك كتابات بول فان تيجم، وجان ماري كاريه، وبول هازار، وقبلهما جان جاك أمبير. وقد جرى بعد ذلك تطوير مناهج الأدب المقارن، في إطار البحث الأدبي الجامعي المتأثر بتعاقبية المعارف، وانعكاس ذلك على تجدد النظرة لطبيعة الأدب المقارن، كما سنرى لاحقًا.
إذا انتقلنا الآن إلى المجال العربي؛ لنعود من جديد إلى رصد ملامح التأسيس الأولى للأدب المقارن، ومن خلال الإشارات التي جاء بها المقارنون العرب الذين اعتمدناهم هنا، فإننا سنقع أمام إشارتين دالتين لهم. الأولى صدرت عن المقارنين: الدكتور سعيد علوش، و الدكتور عز الدين المناصرة، وقد جرى دعمها من طرف مقارنين آخرين أرّخوا لبدايات الأدب المقارن في المجال الثقافي والفكري العربي 6.
شدد المقارن الفلسطيني الدكتور عز الدين المناصرة على (أن غنيمي هلال هو أول من أدخل هذا الحقل المعرفي بمنهجه الفرنسي(الحديث آنذاك) إلى العالم العربي فهو (رائد المنهجية) وقد أثّر - كتاب غنيمي هلال - على كل ما كُتب بالعربية في مجال الأدب المقارن في الخمسينيات والستينيات وعلى طريقة تدريسه في الجامعات العربية حتى في السبعينيات) 7، وفي كتابه الأخير