ولكننا، اعتمادًا على واقع هذه المرحلة، نسأل: هل مهدّت هذه المرحلة لظهور حقل الأدب المقارن في البيئة الثقافية والأدبية العربية؛ بحيث أنها أفضت، بكتاباتها،
إلى تحسيس النخب الثقافية والفكرية العربية بضرورة التقاط تلك البدايات، والتأسيس عليها بما يدفع إلى ظهور هذا الحقل من حقول المعرفة الأدبية؟ وهي الحالة التي صاحبت ظهوره في الغرب، عندما (اتضحت معالم المقاربات التاريخية الأدبية، مشكلة تراكمًا كميًا وكيفيًا، أفضى إلى الدرس المقارن، بفضل تدعيم مستجدات الحياة العقلية والمادية للدرس في الجامعات الأوروبية عامة، والفرنسية خاصة) 2.
للإجابة على التساؤل السابق، نتوقف عند المرحلة الثانية في تاريخ نشأة الأدب المقارن عربيًا. و التي تبدأ زمنيًا سنة 1938 عندما تم إقرار مادة مستقلة تُعنى بالمقارنة بين الآداب في كلية دار العلوم بمصر. وقد مثّل هذا التاريخ انعطافة مهمة في تاريخ هذا الحقل المعرفي؛ إذا دخل معه في إطار الدرس الأكاديمي، الذي سيخضع لضرورات البحث الجامعي المؤسساتي؛ من تحديد، ومنهجية، وبدايات تأليف؛ وبالتالي تكريس تراكم يؤشر لحضور هذا الحقل من بين المعارف المهتمة بالأدب.
كانت نزعة (الإحساس بالعالم) كما يصفها الدكتور عز الدين المناصرة 3 قد أسهمت في الدفع باتجاه تكريس الأدب المقارن غربيًا (تحت اتساع التوجه الكوزموبو ليتي في أوروبا) 4، يُضاف إلى ذلك، هيمنة التفكير الوضعي العلمي الذي يدعو إلى ربط الظواهر بأسباب نشأتها وتطورها، بما في ذلك الظواهر الأدبية، وقد شكل هذا الاتجاه العلمي مناخًا مناسبًا لشيوع الدراسات التاريخية المُحققة والممحصّة في القرن التاسع عشر، (أكثر القرون جميعًا نزوعًا للتاريخ) 5. تتفق الكتابات المؤرخة للأدب المقارن، على أن قرن البحث التاريخي التاسع عشر قد أسهم، وبفاعلية، في ظهور الأدب المقارن، كما أن النزعة العلمية التجريبية في هذا القرن قد دفعت إلى ضرورة أن يستقل الدرس المقارن بين الآداب بحقل خاص ينفرد به؛ وبذلك نعود إلى القرن التاسع عشر بمزيتين اثنتين قاد إليهما نسق المعرفة والتفكير السائد فيه، وهما: الحرص على استقلالية الأدب المقارن بحقل يخصه، وينشط فيه، في إطار من التحديد والضبط، وهما من شروط أية عقلية تجريبية، ومزية أخرى ترتبط بالمنهج الذي بدأت معه ولادة الأدب المقارن وهو المنهج التاريخي الذي استفاد كثيرًا من الفلسفة الوضعية.