واتجاهات موضوعاتها؛ وقد أفضت هذه الحالة إلى استدعاء الأدب العربي؛ لعقد مقابلة بينه وبين تلك الآداب، في إطار من السعي لرصد التمايز بينها وفق نزعة في الغالب معيارية 1.
ولا تختلف هذه المرحلة، في طبيعتها التلقائية، عن مرحلتين أخريين: مرحلة عرفها تاريخ المعرفة العربية في العهد الأموي، وما تلاه، عندما اتجه إلى فحص الملكية الأدبية والمعرفية العربية الإسلامية من خلال نموذج منجز الآخر الإغريقي أو الفارسي والهندي، وقد سُجل ذلك في إطار ردة الفعل الطبيعية إزاء الآخر: هوية، وعقلًا، بعد كل مناسبة تتاح فيها فرصة التواصل واللقاء.
أما المرحلة الأخرى، التي تقترب من طبيعة المرحلة العربية الأولى في تاريخ الأدب المقارن عربيًا، فتتعلق بالمرحلة التاريخية الغربية التي مهدّت لظهور الأدب المقارن في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، فقد عرفت هذه المرحلة عديد الكتابات التي أخذت على عاتقها مهمة التحسيس بضرورة عقد المقارنات، والبحث عن مواطن التقارب بين الآداب المختلفة، وبالذات بين الآداب الأوروبية، ونذكر من الأدباء والمؤرخين الذين دفعوا إلى رصد ودراسة العلاقات المختلفة بين الآداب القومية: غوتة، ومدام دي ستايل، وهنري هالام الإنجليزي، وما زيني الإيطالي، وغيرهم ممن دفعوا باتجاه التقارب بين الآداب الأوروبية، في إطار، ربما، من الإحساس العرقي المشترك، والتقارب الحضاري والديني.
لم تكن المرحلة الأولى في تاريخ الأدب المقارن، عربيًا، مرحلة تأسيسية؛ إذ لم تكن كتابات تلك المرحلة نشاطًا عقليًا منظمًا، ولم تأتِ منسجمة مع أطروحات نسق درس الأدب المقارن كما عُرف في فرنسا قبل عقود من الزمن، وهو ما لم يتم التعبير عنه في مؤلف روحي الخالدي (تاريخ علم الأدب عند الفرنج و العرب و فيكتور هيجو) الذي ظهر سنة 1904، أي بعد عقود طويلة من ظهور الأدب المقارن في فرنسا، التي مثلث البلد الحاضن لظهور هذا اللون من ألوان المعرفة الأدبية، وقد اتجهنا، تحديدًا، إلى الخالدي؛ لأنه العارف باللغة الفرنسية، الذي أمضى جزءًا من حياته في هذا البلد. وربما تُؤكد أسماء: الخالدي والبستاني والحمصي فكرة الاتصال التلقائي العفوي مع الغرب، وما رتب ذلك من دراسات قام بها هؤلاء، تخضع لهذا المطلب: العفوية والتلقائية. فهم، جغرافيًا، ينتسبون إلى بلاد الشام التي عرفت تواصلًا قديمًا مع البيئات الغربية، يزكيه قرب الجغرافيا، وقرب المعتقد أحيانًا.