الصفحة 26 من 29

لن يكون الدكتور سعيد علوش، في الحقيقة، الطرف الآخر الفعّال الذي سينشط، بحيوية، النقاش حول طبيعة الأدب المقارن؛ وذلك يعود إلى عدم احتكامه إلى محددات خارجية وداخلية أثرّت مباشرة على مقاربته لهذه المسألة، كما كان الحال مع الدكتور هلال الذي قدّم فرصة مهمة لإقامة نقاش نوعي حول هذه المسألة؛ نتيجة لتنوع مصادر وعيه كمقارن من جهة، ونتيجة لتمسكه بإعمال تصور، في المقارنة الأدبية، رأى أنه الأصوب والأكثر كفاءة من غيره، ولما أبداه من تمسك شرس بهذا التصور، إلى الحد الذي جعل من المنهج التاريخي، بإجراءاته المختلفة، حدًّا لتعريف الأدب المقارن، وضبط مفهومه.

والطرف الآخر الذي يمكن له أن يسهم، في تقديرنا، بحيوية في إغناء النقاش حول طبيعة الأدب المقارن عربيًا، هو الدكتور عز الدين المناصرة.

لقد بنينا هذه الثقة في نجاعة إسهام الدكتور المناصرة في الحوار حول طبيعة الأدب المقارن، على اعتبارات تشبه في إطارها العام تلك التي كانت حاضرة وراء التصور الخاص بالدكتور محمد هلال، وإن كانت تختلف تمامًا في جوهرها وطبيعتها.

لقد تأسس وعي الدكتور المناصرة (الإنسان) في إطار أزمة ضاغطة تصل حد المحنة، وهي أزمة المصير الفلسطيني؛ إذ كان ابن الحالة الفلسطينية بامتياز، متأثرا بها، وشاعرًا بمرارتها، ومنتجًا لممارسات تحاول التدخل لتلطيف قسوة وافع هذه الحالة؛ إذا تعذّر لعلاج التام. كما أن وعيه الأدبي والنقدي، كان متأصلًا في فضاء الدراسات الفكرية والأدبية الاشتراكية التي تغذى على كثير من رؤاها ومقولاتها إبّان فترة التحصيل الأكاديمي في بلغاريا - هما، إذًا، شرطان نوعيان سيمارسان تأثيرًا مباشرًا في توجيه تصور الدكتور المناصرة حول طبيعة الأدب المقارن، وهما يقتربان، في إطارهما الخارجي العام، من حالة كيفيات بناء الوعي لدى الدكتور هلال.

لننظر، الآن، في بناء تصور الدكتور المناصرة حول طبيعة الأدب المقارن، ومن ثم سنرصد أوجه الاختلاف بينه و الدكتور هلال، وإن تقاطعا في الإطار الخارجي العام، كما شددنا على ذلك سابقًا.

يقيم الدكتور المناصرة مفهوم المقارنة الأدبية على مبدأ (التفاعل) 55، وليس على مبدأ (التأثر) ، كما هي الحال مع الدكتور هلال. وينهض مصطلح (التفاعل) على دلالة مركزية هي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت