الوهم، يحذّر منه الدكتور المناصرة من واقع خشيته على تجديد الأدب العربي، ودفعه باتجاه تطوير وسائله وتقنياته من خلال التفاعل مع الآداب الأخرى، ما ينأى بالأدب العربي عن مشاعر الاكتفاء الذاتي القومي. (نحن الآن مطالبون تحديدًا بإنتاج ثقافي - فكرًا وإبداعًا ... ولا يتم ذلك بمنع التفاعل مع الآخر بل بالانخراط الكلي في معركة الكتابة) 61.
يصطدم مفهوم التفاعل الأدبي المتوازن للدكتور المناصرة، بثنائية أخرى، وهي ثنائية، هذه المرة، أدبية، تتصل بالشأن الأدبي، وبطبيعة المقاربة التي يرتضيها الدكتور المناصرة عند كل مقارنة أدبية.
يرفض الدكتور المناصرة الانسياق التام وراء الاتجاه النقدي في الأدب المقارن؛ بحجة الاهتمام بالنص الأدبي، والانصراف لبنيته الفنية الجمالية: دراسة وتحليلًا؛ من منطلق الوفاء لأدبية الأدب، كما يشدد على ذلك الاتجاه الشكلي في دراسة الأدب (إن الدخول في مقارنات مباشرة بين النصوص مع إلغاء إيديولوجية وتاريخ هذه النصوص) 62، إنما هو قفز على (البنية الحاكمة الأساسية في النص) 63. ولا يعني حرص الدكتور المناصرة على عدم المبالغة في الاهتمام بهيكل النص، وهو الطرف الأول من الثنائية الداخلية التي نحن بصدد الحديث عنها الآن، أنه يميل أكثر إلى اعتماد الطرف الآخر من هذه الثنائية وهي تبني المنهج التاريخي في المقارنات الأدبية؛ لأنه ينظر إلى مفهوم التأثير والتأثر بوصفه اتجاهًا باليا في الأدب المقارن الحديث 64؛ ولأن المدرسة الفرنسية المعروفة بتوجهها التاريخي بطيئة واستطرادية 65.
بين المنهج التاريخي الفرنسي والنقدي الأمريكي يصل الدكتور المناصرة إلى استحداث صيغة تصالحية توفّق بين التصورين، في إطار الحرص الدائم على التوازن. فلا المنهج التاريخي، منفصلًا، يفيد الأدب المقارن، والمنهج النقدي، مستقلًا، ينهض بكل عملية المقارنة، وتفاصيلها. أما التصور الذي يكفل نتائج مهمة من كل مقارنة أدبية، ويحقق إجراء مقارنة متوازنة فعّالة، فهو أن تقوم الدراسة المقارنة بنقد النص الأدبي مراعية اجتماعيته، والشروط المادية الخارجية التي ولد فيها، أي إجراء مقارنة تأخذ في الاعتبار هيكل النص، ولا تغيّب ظروف إنتاجه الواقعية 66.
ولا يخفى أثر قراءات الدكتور المناصرة للفكر المادي الماركسي وهو يقترح هذا التصور، ولا أثر توجيه المدرسة السلافية في الأدب المقارن التي دفعته أكثر إلى الانحياز إلى عدم تجاهل التفكير المادي الجدلي، عند كل مقارنة بين النصوص.