عورتَه، وأهمَل الطعامَ والشراب والملاذَّ، ويقال: إنه كان يَبتلع مقدارًا ضئيلًا من الطعام، بلَغ أحيانًا حبَّة من الأرز في اليوم الواحد، وقد اتَّخذ كلَّ هذا سبيلًا لكشْفِ أسرار الكون، وقام بألوانٍ من الرِّياضات النفسيَّة؛ ليُطهِّرَ نفسَه، ولقد أمضى بوذا في هذا الصِّراع سبع سنين، ولَم يحسَّ في نهايتها بأيِّ أثر يوصله إلى غايته، وبعد أن ضَعُفَ جسمُه وقلَّت قوَّته، وجَد أنَّ هذه الطريقةَ لَم تُجْدِ نفعًا منه إلاَّ العذاب الذي ناله. (1)
ونتيجة لِما سبَق فقد أقدَم بشجاعةٍ على ما لَم يكن معهودًا على نُسَّاك عصره، فأعلَن تمرُّدَه على هذه الطريقة، وهجَر حياةَ التقشُّف، وعاد إلى طعامه وشرابه وكسائه، وأعلَن أنَّ خير وسيلة إلى غايته عقلٌ يتغذَّى في جسمٍ سليم (1) ، وقد خيَّب فِعْله هذا أتباعه ففارَقوه، لكنَّه رغم ذلك لَم يغيِّر شيئًا من أفكاره وفلسفته، وبينما هو يمشي وحيدًا موحشًا، مال إلى شجرةِ تينٍ في غابة؛ ليتناول طعامَها، ويتفيَّأ ظلالها، ويُنعم النظر في حالِها وفي حال العالم أيضًا، وساءَل نفسَه: ما سبب تبرُّمي وتبرُّم البشرِ جميعًا؟ وما مصدرُ الشقاء والمرض؟ وما عِلَّة الشيخوخة وبشاعة الموت؟. (2)
1 أنظر أديان الهند الكبرى، ص 144،بتصرف تام.
2 أنظر أعلام الفلاسفة: كيف نفهمهم؟ ص 38، بتصرف.
ولقد طال به المقامُ تحت هذه الشجرة، وأحسَّ برغبة في البقاء تحتها بعض الوقت، وفي هذا المكان حدَث ما كان يتمنَّاه، فانشرَح صدرُه، ولاحَت له أضواء كاشفة، فخرَج على ضوئها ونورها من