فهرس الكتاب
لها سوابق تاريخية، فقد جرى التغلب عليها في الماضي بقيادة رئاسية قوية، وهذه لم تتوفر مؤخرة.
لا يعتمد مستقبل السياسة الأميركية على عالم السياسة فحسب بل يتعداه إلى المجتمع الأوسع. وتعكس استقطابية الكونغرس نزعة عريضة في المجتمع الأميركي نحو ازدياد تجانس المناطق والأحياء المتجاورة، كون الأميركيين مجددون مواقفهم الأيديولوجية بالأماكن التي يختارون العيش فيها (1) . وتسهم وسائل الإعلام إلى حد كبير في تضخيم هذه الترعة للاختلاط الحصري بأناس يتأهون في الرأي والمعتقد، حيث يضعف انتشار قنوات الاتصال في النهاية من تجربة المواطنة والعيش المشترك (12)
ولا تتأثر قدرة النظام السياسي الأميركي على التعامل مع التحديات المالية بالاستقطاب في الكونغرس بين اليسار واليمين فحسب، بل أيضا بنمو جماعات المصالح الراسخة وقوتها. فنقابات العال واتحادات الصناعات الغذائية وشركات الأدوية والبنوك وأنواع كثيرة أخرى من جماعات الضغط المنظم، تمارس عملية
فينوا على التشريعات التي تضر بمصالح أعضائها المادية. بالطبع، من حق المواطنين تماما، بل من المتوقع منهم، حماية مصالحهم في النظام الديمقراطي، لكن، عند نقطة ما، يتجاوز هذا الدفاع الحدود ليصبح أدعاء بالامتيازات، أو يتحول إلى حالة شلل كامل لا يمكن فيها الاعتراض على مصالح أحد. وهذا يفسر ارتفاع مستويات الغضب الشعبوي لدى اليمين واليسار على حد سواء، ما يسهم في زيادة الاستقطاب ويعكس واقعة اجتماعيا يتناقض مع مبادئ الشرعية الأميركية ذاتها.
يشتكي الأميركيون من أن النخب وجماعات المصالح القوية تهيمن على مقدرات الولايات المتحدة، وتجسد هذه الشكوى حقيقة ازدياد التفاوت في الدخل والثروة في الحقبة الممتدة من السبعينيات حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين (19) عدم المساواة بحد ذاته لم يكن يوما مشكلة كبيرة في الثقافة السياسية الأميركية، التي تركز على تكافؤ الفرص لا على نتائجها. لكن النظام يبقى شرعيا حصرة طالما بقي