الصفحة 60 من 722

فشل الديمقراطية، إذن، يكمن في التطبيق والتنفيذ أكثر منه في المفهوم والفكرة. معظم الناس في العالم اليوم يفضلون بقوة العيش في مجتمع تكون فيه حكومتهم مسؤولة وفي الآن ذاته فعالة، تقدم لهم أنواع الخدمات التي يتطلبونها في الوقت المناسب وبجدوى اقتصادية مقبولة. لكن قلة من الحكومات تستطيع فعلية تحقيق الأمرين معا؛ لأن مؤسساتها ضعيفة أو فاسدة أو تفتقد القدرة والكفاءة أو حتى غائبة كلية أحيانا. من جنوب إفريقيا إلى كوريا إلى رومانيا إلى أوكرانيا، قد يكون شغف المتظاهرين والمدافعين عن الديمقراطية في أرجاء العالم كافة كافية لتغيير النظام، والانتقال من حكومات أستبدادية إلى حكومات ديمقراطية. لكن الأخيرة لن تنجح بدون عملية بناء المؤسسات، وهي عملية طويلة ومكلفة ومعقدة ومضنية.

في الحقيقة، ثمة عمي غريب عن أهمية المؤسسات السياسية أصاب على مر السنين أناسأكثر يحلمون بعالم يتجاوز السياسة بطريقة ما مستقبلا. هذا الوهم غديدة ليس حكرا على اليسار أو اليمين، فلكل منهما نسخته الخاصة عنه. أبو الشيوعية، کارل مارکس، معروف بنبوءته الشهيرة عن اضمحلال الدولة وتلاشيها، حال استلام الثورة البروليتارية الحكم وإلغائها الملكية الخاصة، والثوريون اليساريون، من فوضويي القرن التاسع عشر صعودة، آمنوا بأن تدمير بنى السلطة القديمة يكفي، دون التفكير جديا با يحل محلها. ويستمر هذا التقليد الفكري إلى الوقت الحاضر، إذ يشير الكاتبان المعاديان للعولمة، مايکل هاردت وأنتونيو نيغري، إلى إمكانية إلغاء الظلم الاقتصادي بتقويض سيادة الدول واستبدالها بشبكة مترابطة من الجماهير» (1)

بالطبع، فعلت الأنظمة الشيوعية في عالم الواقع عكس ما توقعه مارکس تماما فينت هيکليات حكومية استبدادية كبيرة لإكراه الناس على العمل التعاوني حين فشلوا في القيام به طوعا. ودفع ذلك بدوره جيلا من نشطاء الديمقراطية في أوربا الشرقية إلى تصور صيغتهم الخاصة للادولة، حيث يحل مجتمع مدني معبأحل الأحزاب السياسية التقليدية والحكومات المركزية () . وقد أصيب هؤلاء النشطاء بالإحباط وخيبة الأمل حين أدركوا لاحقا أن مجتمعاتهم لا يمكن حكمها دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت