فهرس الكتاب
تثير المادة التاريخية المقدمة في الكتاب الحالي الاهتمام تحديدا لأنها تلقي الضوء على الحاضر، وتوضح كيفية نشوء الأنظمة السياسية المختلفة. لكن المجتمعات الإنسانية، كما أسلفت، ليست أسيرة ماضيها إذا ظهرت دول حديثة في الصين أو أوربا نتيجة عوامل محددة، كالحاجة المستمرة للاستعداد للحروب وخوضها، فهذا لا يعني بالضرورة أنه يتحتم على الدول الضعيفة في إفريقيا اليوم استنساخ هذه التجربة إذا رغبت بالتحديث. في الحقيقة، سوف أقدم الحجة في المجلد الثاني على أن شروط التطور السياسي اليوم تختلف جذريا عما كانت عليه في الفترات التاريخية التي يشملها المجلد الأول. فالنمو الاقتصادي بعيد ترتيب أوراق اللعب الاجتماعية باستمرار، والعوامل الدولية تؤثر إلى حد أبعد بكثير من ذي قبل في المجتمعات الفردية. لذلك، في حين قد توضع المادة التاريخية في الكتاب الحالي كيفية وصول المجتمعات المختلفة إلى ما هي عليه اليوم، فإن نسارات وصولها إلى الوضع الحالي لا تحدد مستقبلها أو تقدم نماذج يتحتم على المجتمعات الأخرى احتداؤها.
الصين أولا
تنزع نظريات التحديث الكلاسيكية التي كتبها عالقة أمثال کارل مارکس وإميل دوركهايم و فرديناند تونيز وماكس فيبر، إلى اعتبار تجربة الغرب نموذجا معيارية؛ لأن التحديث حصل أولا في الغرب. ويمكن تفهم التركيز على الغرب باعتبار أن الطفرة الإنتاجية والنمو الاقتصادي المستدام، اللذين حدثا في أوربا وأميركا الشمالية بعد حوالي عام 1900، لا سابق لها في التاريخ الإنساني وقد حولا العالم فعليا إلى ما هو عليه اليوم.
لكن التطور لا يقتصر على الاقتصاد المؤسسات السياسية والاجتماعية تتطور أيضا. في بعض الأحيان، يرتبط التطور السياسي والاجتماعي عن قرب بالتغيير الاقتصادي، لكنها في أحيان أخرى محدثان بشكل مستقل. يركز هذا الكتاب على البعد السياسي لتطور مؤسسات الحكم وارتقائها، مؤكدا أن المؤسسات السياسية الحديثة ظهرت قبل قيام الثورة الصناعية والاقتصاد الرأسمالي الحديث بعهود طويلة