فهرس الكتاب
يروي القسم الرابع من الكتاب قصة صعود الحكومات الخاضعة للمحاسبة، وهذه أيضأ قصة أوربية إلى أبعد حد. لكن أوربا بالكاد كانت متساوية في هذا المجال، إذ ظهرت حكومات خاضعة للمحاسبة في إنكلترا و الدانمرك، لا في فرنسا أو إسبانيا، في حين طورت روسيا صيغة حكم مطلق يضاهي في قوته النظام الصيني إذن، تعتمد قدرة بعض المجتمعات على إخضاع حكامها وملوكها للمساءلة على مجموعة ظروف تاريخية خاصة، مثل بقاء بعض المؤسسات الإقطاعية واستمرارها في الأزمنة الحديثة. >
يبدو تعاقب التطورات السياسية في أوربا الغربية استثنائية إلى حد كبير لدى مقارنته بمناطق أخرى في العالم. فالفردية على المستوى الاجتماعي ظهرت قبل قرون من ظهور الدول الحديثة أو الرأسمالية؛ وحكم القانون وجد قبل تركيز السلطة السياسية بأيدي حكومات مركزية؛ وظهرت مؤسسات المحاسبة، كالجمعيات التمثيلية، لأن الدول المركزية الحديثة لم تكن قادرة تماما على هزيمة المؤسسات الإقطاعية القديمة أو إزالتها
حالما ظهر هذا المزيج من الدولة والقانون والمحاسبة، ثبت أنه صيغة حكم بالغة القوة والجاذبية، فانتشر لاحقا إلى كل زوايا الأرض. لكن، تاريخيا، علينا أن نتذكر أيضا كم كان هذا الظهور عرضية. كانت للصين دولة قوية لكن دون حکم قانون ومحاسبة؛ وكان للهند قانون، وأصبحت لها الآن حكومة خاضعة للمحاسبة، لكنها افتقدت تاريخية وجود دولة قوية؛ وكان للشرق الأوسط دول وقانون، لكن القسم الأكبر من العالم العربي افتقد التقليد الأخير، أي المحاسبة الديمقراطية. هنا أيضاء لاتبقي المجتمعات أسيرة ماضيها، بل تستعير بعضها من بعض بحرية أفكارة ومؤسسات. غير أن ما هي عليه في الحاضر يشكله أيضا ما كانت عليه في الماضي، وليس ثمة سبيل وأحد وحيد يربط أحدهما بالآخر