الصفحة 92 من 722

سلاحف متراكبة إلى ما لا نهاية

ليس الغرض من هذا الكتاب تقديم تاريخ التطور السياسي بقدر ما هو تحليل بعض العوامل التي أدت إلى ظهور بعض المؤسسات السياسية المفتاحية. كثير من الكتابات التاريخية حول الموضوع اتسمت بما يسمى اتعاقب حادث لعين إثر آخر»، دون محاولة استخلاص قواعد عامة أو نظريات سببية يمكن تطبيقها في شروط وأحوال أخرى. هذا ينسحب على الدراسات الإثنوغرافية التي كتبها علماء الأناسة والتي تتصف بالتفصيل الشديد والابتعاد المتعمد عن التعميم، تلك بالتأكيد أبعد ما تكون عن مقاربتي التي تقارن وتعمم عبر مختلف الحضارات والحقب الزمنية.

يحمل الإطار العام لفهم ظاهرة التطور السياسي کا يطرحها الكتاب ملامح تشابه عذة مع ظاهرة النشوء والارتقاء البيولوجي. ينبني التطور الدارويني على مبدأي التنوع والانتخاب، حيث تمر الكائنات العضوية بطفرات جينية عشوائية تبقى وتتكاثر فيها أقدرها على التلاؤم مع بيئاتها. كذلك الأمر في التطور السياسي،

حيث تتنوع المؤسسات السياسية وتبقى وتنتشر أكثرها قدرة على التلاؤم مع پيشاتها المادية والاجتماعية. لكن ثمة اختلافات مهمة أخرى بين النشوء والارتقاء البيولوجي والسياسي: المؤسسات البشرية، على عكس الجينات، تخضع للتصميم المدروس والاختبار، وتنتقل عبر الزمن ثقافية لا جينية، وتكتسب قيمة ذاتية عبر آليات اجتماعية وسيكولوجية عدة تجعلها صعبة التغيير. تفسير الطبيعة المحافظة المتأصلة في المؤسسات البشرية، إذن، السبب في أن التطور السياسي يعكس في أحيان كثيرة الانحطاط السياسي؛ نظرا لأن ثمة فارق زمنية مها بين التغييرات في البيئة الخارجية التي يجب أن تطلق التغيير المؤسسي، وبين رغبة المجتمعات الحقيقية في إحداث تلك التغييرات.

مع ذلك، في نهاية المطاف، لا يرقى هذا الإطار العام إلا إلى مصاف شيء أدتي من نظرية تنبؤية في التطور السياسي، فوضع نظرية شديدة التحديد في التغيير السياسي، على غرار نظريات النمو الاقتصادي التي يضعها علماء الاقتصاد تبقى،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت