فهرس الكتاب
برايي، وببساطة شديدة، غير ممكنة (24) . فالعوامل التي تسوق تطور أي مؤسسة سياسية عديدة ومركبة، وتعتمد في أغلب الأحيان على أحداث طارئة أو عرضية. وأية عوامل سبية يوردها المرء لتطور معين تبقي بحد ذاتها مسببات شروط سابقة تضرب بعيدا في الزمن الغابر ضمن مسار ارتجاعي لا نهاية له ا
لنأخذ مثالا على ذلك. تؤكد إحدى نظريات التطور السياسي المعروفة أن عملية بناء الدولة الأوربية قادتها الحاجة إلى شن الحروب (2) . هناك دلائل راسخة إلى حد ما توثق هذه العلاقة بين الحاجة إلى شن الحروب وتطوير مؤسسات دولة حديثة، وهذا ينسحب بالدرجة نفسها على بدايات تشكل أوربا الحديثة و كانري لاحقا على بدايات الصين القديمة. لكن قبل أن نستطيع الإعلان عن أن تلك نظرية عامة في تشكل الدولة، علينا الإجابة على بعض الأسئية الصعبة: لماذا فشلت مناطق أخرى عاشت حروب طويلة الأمد في تطوير مؤسسات دولة (ميلانيزيا، مثلا) ؟ ولماذا يبدو أن الحروب في مناطق أخرى أضعفت بدل أن تقوي الدولة (أميركا اللاتينية، مثلا) ؟ ولماذا عاشت بعض المناطق مستويات صراع أدنى من غيرها (الهند، مقارنة بالصين، مثلا) ؟ الإجابة على هذه الأسئلة ترجع السيبية إلى عوامل أخرى، مثل الكثافة السكانية، والطبيعة الجغرافية، ومستوى التطور التقني، والدين. تختلف الآثار السياسية للحروب في أماكن كثيفة السكان ويسهل الوصول إليها (السهول والسهوب، مثلا) ، وتمتلك تقنيات ملائمة (الخيول، مثلا) ، اختلافا جذريا عن مثيلتها في حروب المناطق الجبلية أو الغاية أو الصحراوية التي تقل فيها الكثافة السكانية، وهكذا تتحلل نظرية الحرب وتشكل الدولة إلى سلسلة من الأسئلة الإضافية حول أسباب نشوب أشكال معينة من الحروب في بعض المناطق، دون غيرها في مناطق أخرى.
ما أهدف إليه في الكتاب الحالي هو نظرية متوسطة المدى نتجنب مزالق التجريد المفرط (وهو عيب الاقتصاديين) ، والتخصيص المفرط (وهو مشكلة العديد من المؤرخين وعلماء الأناسة) ، آملا باستعادة شيء من التقاليد الضائعة لعلم الاجتماع التاريخي أو علم الأناسة المقارن في القرن التاسع عشر. لا أود أن أواجه