جعلت من إجلائها أمرا في غاية الخطورة، في إضفاء المزيد من الرعب على الأجواء يتذكر إرنست يونيجر أنه في أثناء التقدم نحو الأرض المحايدة في عام 1945: «لفتت انتباهي رائحة كريهة وصرة معلقة على الأسلاك الشائكة ... وجدت نفسي أمام جثة مكومة الجندي فرنسي، وقد لمع لحمه المتعفن، مثل لحم السمك الفاسد، من بين أشلاء زبه العسكري، بلون أبيض مائل إلى الخضرة» (4)
دفنت الجثث بالقرب من الخنادق أو حتى في داخل جدرانها. وعندما تتحرك التربة، قد يصادف الجندي فدمة متحللة جزئية أو يدة بارزة من الناحية الأخرى للخندق. وذكر عريف أمريكي في الفرقة السابعة والعشرين - خدم في إحدى القطاعات التي أخلاها الجيش الفرنسي قبل أكثر من عام - عائقا ينبثق من جدار الخندق» لم يكن من السهل تبين ماهيته يسبب الظلام. ولكن عند بزوغ الفجر، تبين أنه «قدم جندي فرنسي دفن هناك بفعل قذيفة (5) .
الخنادق والحرب الجوية
صدم الجنود منذ المراحل الأولى للحرب بوجود طائرات ترصد حركتهم من السماء، وقد سجلوا في مذكراتهم الإحساس بالهشاشة الذي شعروا به بسبب طائرات العدو التي تحوم فوقف خطوط الخنادق. ففي السنوات الأولى من الحرب، ساعدت الطائرات على توجيه نيران المدفعية. ومع بداية عام 1916 واجه الجنود على كلا الجانبين تهديد الطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة و نشن هجمات عنيفة.
وكان في وسع الجنود المقيدين في خنادقهم مشاهدة مبارزات جوية تدور رحاها فوق رؤوسهم. وقد سجل هربرت سلز باخ، الملازم أول في المدفعية الألمانية، مثل هذا؟ الحدث في دفتر يومياته، حيث كان مختيا مع خمسة من رفاقه، وتمكنت من مشاهدة عدد من المعارك الجوية، وأعجبت بطريقة أداء طائراتنا ثلاثية الأجنحة التي ناورت و ببراعة وحيوية و سرعة فائقة، حيث كانت ترتفع بصورة عمودية لكي تباغت طائرات 6 العدو الواحدة تلو الأخرى ... وتجري هذه المعارك الجوية خلال فترة بعد الظهر، وقد أسقط سرب طائراتنا خمس طائرات العدو على مدار اليوم فوق قطاعنا وحده (6)