الصفحة 1 من 15

آليات الحوكمة ودورها في الحد من الفساد المالي والإداري في الشركات المملوكة للدولة

الاستاذ عباس حميد التميمي

لقد أثبتت الانهيارات والفضائح المالية، التي طالت كبريات الشركات في العالم، والمدرجة في أسواق رأس المال بشكل خاص، في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وروسيا، واليابان ودول شرق آسيا فشل الأساليب التقليدية في منع مسببات تلك الانهيارات والفضائح، والتي كان لظهورها آثار مدوية ونتائج مدمرة، الأمر الذي دفع الجهات المعنية وعلى المستويين الوطني والدولي إلى إجراء دراسات معمقة لتحديد الأسباب الرئيسة التي كانت وراء حدوث الأزمات والانهيارات المشار إليها في أعلاه، والتي كانت ترتبط بشكل كبير بالجوانب المحاسبية والتدقيقية.

وكانت الحوكمة والياتها ثمرة هذه الدراسات لمنع حدوث مثل هذه الأزمات أو الحد منها في اقل تقدير، وذلك من خلال مجموعة من الآليات، من أبرزها الشفافية والإفصاح عن المعلومات المالية وغير المالية وإعدادها وفقا للمعايير المحاسبية ذات الصلة، وكذلك تعزز دور وظيفتي التدقيق الداخلي والخارجي، وبخاصة ما يتصل باستقلالية هاتين الوظيفتين وتشكيل لجنة التدقيق من مجلس الإدارة للإشراف عليهما.

تكتسب الحوكمة في الشركات المملوكة للدولة أهمية خاصة، وذلك لأنها مازالت تؤدي دورا مؤثرا في النشاط الاقتصادي في العديد من دول العالم، ومنها العراق، وتمثل جزءا مهما من الناتج المحلي الإجمالي، وتوفر فرص العمل، فضلا عن إنها غالبا ما تكون مسيطرة في الصناعات ذات المنافع العامة، مثل الطاقة، والنقل والاتصالات وغيرها. وان اداء هذه الشركات ذو أهمية كبيرة لعموم المواطنين، هذا من جانب، ومن جاني اخر، اذا ما قررت الدولة خصخصة قسم من هذه الشركات، فان الحوكمة تعد متطلبا أساسيا من متطلبات الخصخصة، وذلك لتشجيع المستثمرين على شراء هذه الشركات والاستثمار فيها، وضمان الحصول على اكبر عائد ممكن من عملية الخصخصة، وذلك بمنع حالات الفساد المالي والإداري التي قد تكون مرتبطة بذلك.

وقد تمثلت المشكلة التي حاول البحث التصدي لها بافتقار الشركات المملوكة للدولة إلى آليات حوكمة من شانها أن تحد من مشكلة الفساد المالي والإداري التي تعاني منها هذه الشركات.

ويهدف البحث إلى التاطير الفكري لمفهوم الحوكمة، وذلك بتعريفها واستعراض نشأتها وتطورها ومبرراتها، وكذلك تناول موضوع الفساد المالي والإداري، وذلك بتعريفه وبيان أسباب حدوثه وابرز مظاهره ونتائجه، ومن ثم التطرق إلى دور آليات الحوكمة في الحد منه.

ولأجل تحقيق أهداف البحث، فقد قسم إلى ست فقرات، خصصت الأولى منها لمنهجية البحث، فيما كرست الثانية لمفهوم الحوكمة والياتها. وتناولت الفقرة الثالثة مفهوم الفساد المالي والإداري. أما الفقرة الرابعة فقد خصصت لدور آليات الحوكمة في الحد من الفساد المالي والإداري. واختتم الباحث بحثه بجملة من الاستنتاجات والتوصيات تناولتها الفقرتين الخامسة والسادسة.

أولا: منهجية البحث

تواجه اقتصادات العديد من الدول وخاصة تلك التي تمر بمرحلة انتقالية، سواء كانت سياسية، مثل التحول من الأنظمة الشمولية إلى الأنظمة الديمقراطية، أو اقتصادية، مثل التحول من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق تحد كبير يتمثل بزيادة فرص ممارسة الفساد المالي والإداري، وما يساعد على ذلك هو عدم اكتمال بناء المؤسسات الوطنية والقوانين التي توفر بيئة مناسبة للفاسدين، مستغلين ضعف الأجهزة الرقابية والقضائية في موجهة هذا الخطر الداهم.

لذا فان مشكلة البحث التي يحاول البحث التصدي لها تتركز في افتقار الشركات المملوكة للدولة إلى آليات حوكمة من شانها أن تحد من مشكلة الفساد المالي والإداري التي تهاني منها هذه الشركات.

يهدف البحث إلى إلقاء الضوء على مفهوم حوكمة الشركات، نشأتها وتطورها، أهميتها ومبرراتها، وكذلك استعراض أهم آلياتها مع التركيز على دور لجان التدقيق في مجالس الإدارة باعتبارها ابرز دعائم تحقيق هذا المفهوم الجديد، وعلاقة هذه اللجان باليتين اخريتين هما التدقيق الداخلي والتدقيق الخارجي. كما انه يهدف إلى لفت الانتباه جميع الجهات المسؤولة إلى خطر الفساد المالي والإداري، وذلك بعد تحديد مفهومه وأسباب ظهوره، واهم مظاهره ونتائجه على الاقتصاد الوطني بشكل خاص وعلى المجتمع بشكل عام، ودور آليات حوكمة الشركات في الحد منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت