الصفحة 6 من 15

المصلحة (21) . كما ورد الفساد في القران الكريم في مواضع عديدة ليدل على معاني مختلفة، فقد ورد ليعبر عن (الطغيان والتجبر) ، كما في قوله تعالى (الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا) (الآية 83 من سورة القصص) ، أو (الجدب والقحط) كما في قوله تعالى (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (الآية 41 من سورة الروم) ، أو (عصيان إطاعة الله) كما في قوله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم عذاب عظيم) (الآية 33 من سورة المائدة) .

تعريف الفساد: لقد وردت تعاريف عديدة للفساد، إذ لا يوجد تعريف واحد محدد له، إلا أنها تمحورت جميعها على مضمون واحد وهو إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب شخصية. لقد ارتبط مفهوم الفساد في أذهان العديد من البشر بالشر، و ربما يكون اصدق تعريف له هو الذي ورد في موسوعة العلوم الاجتماعية"الفساد هو سوء استخدام النفوذ العام لتحقيق مكاسب خاصة، ويشتمل ذلك على جميع أنواع رشاوى المسؤوليين المحليين أو الوطنيين أو السياسيين، ولكنه لا يتضمن الرشاوى التي تحدث فيما بين القطاع" (22) .

ويرى الباحث انه في إطار هذا البحث يمكن أن ينظر إلى الفساد المالي والإداري بأنه التغيير غير المرغوب فيه في المعاملة بين القطاع العام والقطاع الخاص، الذي يمثل تقويضا للثقة العامة، أو خرقا للقوانين والسياسات والإجراءات التي توضع موضع التنفيذ للصالح العام، لغرض تحقيق المنافع الشخصية على حساب المجتمع، وذلك بإعطاء أو اخذ الرشاوى أو الامتيازات، وذلك بإساءة استعمال السلطة والنفوذ في المؤسسات الرسمية.

لا يمكن معالجة الظواهر السلبية التي تعاني منها المجتمعات مالم يتم تشخيص أسبابها وبواعث نشؤها. وقد حدد البنك الدولي World Bank مجموعة من الأسباب لظهور الفساد المالي والإداري أبرزها ما يأتي:

أ - تهميش دور المؤسسات الرقابية، وقد تكون تعاني من الفساد هي

نفسها.

ب - وجود البيروقراطية في مؤسسات الدولة.

ج - حصول فراغ في السلطة السياسية ناتج عن الصراع من اجل

السيطرة على مؤسسات الدولة.

د - ضعف مؤسسات المجتمع المدني وتهميش دورها.

هـ - توفر البيئة الاجتماعية والسياسية الملائمة لظهور الفساد.

إضافة إلى ما تقدم، يمكن تحديد ثلاثة أبعاد لأسباب حدوث الفساد المالي والإداري وهي:

• البعد السياسي، تتمثل أسباب الفساد الإداري والمالي بالإرادة السياسية الضعيفة التي تتعايش مع الفساد، ولا تمتلك المبادرات لمكافحته، فإنها حتى وان أعلنت عن إصلاحات، فإنها تبقى من قبيل العبث، ويصبح من ثم وجود المصلحين بلا معنى، حتى وان توفرت لديهم الجدية والرغبة الصادقة في الإصلاح. وبدون الإرادة السياسية، فان مواجهة الفساد ستقتصر على الشكل ليس إلا، ويبقى دور المصلحين مقتصرا على المناشدات والنداءات والتمنيات التي لا تغني ولا تسمن من جوع. وان غياب الإرادة السياسية يؤدي إلى غياب دولة المؤسسات السياسية والقانونية والدستورية. وعند هذا المستوى تظهر حالة غياب الحافز الذاتي لمحاربة الفساد تحت وطأة التهديد بالقتل والاختطاف والتهميش والإقصاء الوظيفي. كما تتعطل إلى حد بعيد آليات الرقابة في الدولة ويخبو وازع المساءلة والمحاسبة، حيث إن الحكومة لا تحاسب الإدارة مع علمها بالفساد المستشري في أوصالها، وان يد القضاء لا تطول المسؤولين في الدولة مهما قيل أو عرف أو شاع عنهم، وان هيئات الرقابة تكون معطلة أما بفعل شدة الفساد الذي يتجاوز في أبعاده قدرتها، أو لان دم الفساد اخذ يدب في عروق بعضها.

• البعد الاقتصادي، يتمثل في البطالة وتدني الرواتب والأجور وتباين الدخول بشكل كبير وانخفاض مستو المعيشة بشكل عام، فضلا عن غياب الفعالية الاقتصادية في الدولة وكثرة الصفقات التجارية المشبوهة او الناتجة عن عمليات السمسرة يحتل الفساد المالي فيها حيزا واسعا.

• البعد الاجتماعي، يتجلى عندما يغدو لكل شيء ثمن يقاس بالدنانير، وعندما يغدو للقيام بواجب وظيفي معين ثمن، و لإجراء معاملة مع إدارات الدولة ثمن، ولتصريف أعمال الحكم ثمن، وللكلمة في وسائل الإعلام ثمن، ولحكم القضاء في بعض الحالات ثمن. وعندما يصبح لكل شيء ثمن، فان الفساد قد أضحى في حياتنا العامة من صلب ثقافة المجتمع وبذلك يكون المجتمع في هذا الحال قد ابتلي بما نسميه ثقافة الفساد، وعندما يكون الفساد من صلب ثقافة المجتمع يصعب علاجه. فالفساد لا ينتج إلا مزيدا من الفساد، والفاسد لا يرى في فساد عيبا، وهنا يشكل الفساد طوقا يحتاج إلى من يكسره بقوة خارقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت