المؤمنين تأكل الفاكهة، وأمه محمد هزلى، فخرج الصبي هاربا، وبكى، فسكت عمر بعد ما سأل عن ذلك، وقالوا له: اشتراها بكف من نوى [1] .
ولقد كان إحساسه بسمؤولية الحكم أمام الله عزوجل، يملك عليه شعاب نفسه، فلم يترك وسيلة من الدين والدنيا كي يواجه بها الجدب والجوع وانقطاع الأمطار الا لجأ إليها، فكان دائم الصلاة، دائم الاستغفار، دائم الحرص على توفير الاقوات والمواد الغذائية للمسلمين، وكان يفكر كثيرًا في أمور رعيته، وبخاصة من زحف منهم إلى المدينة المنورة، سبب الجوع، ومن بقى منهم في البادية، يواجه العبء كله بكفاية واقتدار، ثم بعد ذلك قسوة على النفس ما أروعها من قسوة [2] . حتى قال من كان له علم ومعرفة في تلك الازمة الاقتصادية: لو لم يدفع الله المحل وانقطاع الأمطار، ويبس الأرض، عام الرمادة، لظننا ان عمر يموت حمسا بأمر المسلمين [3] . وهذا دليل وتأكيد على حرص امير المؤمنين رضي الله عنه على أرواح المسلمين، فمثلا روي عن الامام الزهري (ت 124 هـ) [4] : ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه كان يصلي من جوف الليل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم زمان الرمادة، نقصد به عام الرمادة، وكان يقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين وارفع عنا البلاء [5] ..
روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: عام الرمادة سنة 18 هـ، يا أيها الناس، أدعوا الله ان يذهب عنكم المحل، وهو يطوف أي يتجول في المدينة المنورة وعلى رقبته درة [6] . وكان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلى المغرب، نادى: يا أيها الناس استغفروا ربكم ثم توبوا اليه، وسلوه من فضله، واستسقوا سقيا رحمة لاسقيا عذاب، فلم يزل كذلك حتى فرج الله ذلك [7] .
(1) ابن سعد، الطبقات، ج 3، ص 394.
(2) الصلابي، سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ص 211.
(3) ابن سعد، الطبقات، ج 3، ص 293.
(4) الزهري، هو محمد بن مسلم بن عبيد الله القرشي، كتبه أبو بكر من حفظ أهل زمانه للسنن، وكان فقيها فاضلا، مات 124 هـ، ابن حبان، محمد بن حبان البستي، مشاهير علماء الأمصار، تحقيق فلايشمهر، القاهرة، 1959 م، ص 66.
(5) ابن سعد، الطبقات، ج 3، ص 297.
(6) ابن سعد، الطبقات، ج 3، ص 297.
(7) المصدر نفسه، ج 3، ص 298.