تحمل لي، وان لم تستطيع حمله، فمر لكل بيت بعيد ما عليه من المتاع، ومدهم بالأكسية فيلبسون كساء واحد في الشتاء، والآخر في الصيف، وينحرو البعير فليحفظوا شحمه، وليقددوا لحمه، ثم ليأخذوا شحما ودقيقا فيطبخوا ويأكلوا حتى يأتيهم الله برزقه [1] ، وجعل عمر رضي الله عنه يرسل إلى الناس مؤونة شهر بشهر، مما يصله من الأمصار من الطعام والكساد، واستمرت القدور العمرية الضخمة، يقوم عليها عمال مهرة يطبخون من بعد صلاة الفجر، ثم يوزعون الطعام على الناس [2] .
قدم الإعراب عام الرمادة إلى عمر رضي الله عنه من كل ناحية، قد أمر رجالا يقومون بمصالحهم، فكان يقول لهؤلاء الرجال: أحصوا من تعشى عندنا، فاحصوهم من القابلة، فوجدوهم سبعة الاف رجل، ثم أحصوا الرجال والمرضى والنساء والعيالات فكانوا أربعين الفًا، ثم بعد ايام بلغ الرجال والعيال ستين الفًا، فما برحوا المدينة حتى أرسل الله المطر، فلما أمطرت وكّل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قومًا من هؤلاء النفر بناحيتهم يخرجون الى البادية ويعطونهم قوتا أي طعامًا، محملة على الابل الى باديتهم، وكان عمر يخرجهم بنفسه، وكان عمال عمر رضي الله عنه، يعملون الطعام والعصائد ويطعمونها للناس، وكان عمر رضي الله عنه يأمر بالزيت فيقار في اقدور الكبار حتى تذهب حمته وحره، ثم يثرد الخبز ثم يؤدم الطعام بالزيت [3] ، وشاركه في هذه الأعمال من الصحابة رضي الله عنه المسور بن محزمة [4] ، عبد الرحمن بن عبد القارئ [5] ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود [6] ، في حين ساعده غيرهم في توزيع المواد الغذائية على الناس. وكان هؤلاء الصحابة امراء على نواحي المدينة، يتفقدون احوال الناس الذين اجتمعوا حولها هربا من
(1) الصلابي، سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ص 214.
(2) المصدر نفسه، ص 214.
(3) ابن سعد، الطبقات، ج 3، ص 295.
(4) المسور بن مخرمة بن نوفل القرشي، ولد بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، مات سنة 65 هـ بعد ان اصيب بضربة منجنيق في مكة، ابن حجر الإصابة في غير الصحابة، ج 3، ص 419 - 420.
(5) عبد الرحمن بن عبد القارئ، والقارة هم بنو الهون بن خزيمة، وكان على بيت المال في زمن عمر بن الخطاب، وهو من جلة التابعين وعلمائها، توفى سنة 81 هـ، ابن عبد البر الاستيعاب معرفة الاصحاب، ج 2، ص 839.
(6) عبد الله بن عتبة بن مسعود، بن أخي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، انما هو تابعي من أتباع الكوفة، ولد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم عاش خمس سنوات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ابن عبد البر، الاستيعاب في مدينة الأصحاب، ج 3، ص 946.