الصفحة 11 من 40

طبيعة الإنسان أن يصاب بالسآمة والملل، لذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريص على أن يبلغ العلم دون حدوث السآمة، فكان يشوق سامعيه ويثيرهم بطرق متعددة ليشدهم للقول فيصل الفهم وحب العلم ذروته، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُود - رضي الله عنه - قَالَ:"كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ فِي قُبَّةٍ؛ فَقَالَ:"أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"قُلْنَا:"نَعَمْ". قَالَ:"أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ". قُلْنَا:"نَعَمْ". قَالَ:"أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"قُلْنَا:"نَعَمْ". قَالَ:"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلاَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ" [1] "

السآمة والملل من آفة العلم وتبليغه، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بأساليبه يحرص على ألا يتسلل ذلك إلى نفوس المتعلمين لذا كان يتخير الوقت المناسب، ولقد تعلم أصحابه منه هذا الأسلوب فعَنْ أَبِي وَائِلٍ [شَقيق بن سَلمة] ، قَالَ:"كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: "يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ". قَالَ:"أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَخَوَّلُنَا [2] بِهَا مَخَافَةَ"

(1) متفق عليه؛ صحيح البخاري كتاب الرقاق، باب كيف الحشر؟ رقم 6528. وصحيح مسلم كتاب الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة، رقم 321.

(2) الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي الْأَوْقَات فِي تَعْلِيمهمْ وَوَعْظهمْ وَلَا يَفْعَلهُ كُلّ يَوْم خَشْيَة الْمَلَل , وَالتَّخَوُّل التَّعَهُّد, وَقِيلَ إِنَّ بَعْضهمْ رَوَاهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَفَسَّرَهُ بِأَنَّ الْمُرَاد يَتَفَقَّد أَحْوَالهمْ الَّتِي يَحْصُل لَهُمْ فِيهَا النَّشَاط لِلْمَوْعِظَةِ فَيَعِظهُمْ فِيهَا وَلَا يُكْثِر عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَمَلُّوا [فتح الباري، لابن حجر 11/ 228] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت