الصفحة 10 من 38

لَيْلَةَ الْبَدْرِ ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لاَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا .. الحديث [1]

فالرؤية عند أهل السنة إنما تحصل في الآخرة بقوة أخرى موهوبة من الله غير القوة الموضوعة في العين في الدنيا، فالله تعالى ورسوله عليه السلام قد أخبرا برؤيته بالبصر، فوجب ظهور ذلك لا محالة، لأنه إنما امتنعت رؤيته بالأبصار في الدنيا لضعفها عن إدراكه، ولذلك قال عز وجل: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} -الأنعام: 103 - . إذ أن الإدراك هو الإحاطة واللحوق، والضعيف لا يطيق القوي العظيم ولا يلحق الغائب النزيه، وإن الأبصار لضعفها لا تلحق بالأشياء المحسوسة وإن دقت الأشياء وصغرت إلا البعض والجزء، ولا تلحق الكل لقصور حاسة البصر. ومثال ذلك: أن الدرهم مثلا لا تدرك حاسة البصر منه إلا جهة واحدة إذا أطلعتها على المرء ويغيب عنها غير ذلك من الشيء. ومثال ذلك أيضا: نور البرق الخاطف والشمس لو أدامت النظر إليها لطمست من أجل ضعفها ولا ترى ما غاب عنها، فإذا كانت الآخرة قويت الأبصار وكانت أنوارها وقواها وإدراكاتها من نوع تلك الدار قويت على إدراك النور العظيم. [2] لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَرَى فِي مُلْكِهِ أَلْفَيْ سَنَةٍ". [3] فإذا كملت الأبصار في الآخرة تراه إذا تجلى لها لا بحد ولا في جهة، فإن البصر هناك تابع للعلم، فما أدركه العلم حقيقة أدركه البصر كذلك حقيقة وكشفا. والباري سبحانه يرى في الدنيا بالعلم ويرى في الآخرة بالعلم والبصر جميعا فأعلى أهل الجنة منزلة ونعيما وأكثرهم لذة

(1) - باب كتاب بدا الوحي من كتاب: {الجامع الصحيح} محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله حسب ترقيم فتح الباري، دار الشعب - القاهرة، الطبعة: الأولى، 1407 - 1987،ج:6 ص:56.

(2) - {شعب الإيمان} أبو محمد محمد عبد الجليل بن موسى الأندلسي المعروف بالقصري، تحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1995 م. ص: 629.

(3) - الحديث 3880 في {المستدرك على الصحيحين} محمد بن عبدالله أبو عبدالله الحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1411 - 1990،الجزء:2، ص:553.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت