الصفحة 20 من 38

المبحث الثاني: اختلاف المعتزلة وعلماء السلف في فهم الشواهد القرآنية في مسألة صفات الله تعالي الخبرية

المطلب الأول: قوله تعالي (الرحمن علي العرش استوي) (طه:5) والآيات الواردة في الاستواء

رفض المعتزلة القول بالصفات الفعلية الخبرية لأن نفيها من تمام عدالة الله، كالإستواء والمجيء وغيرها، فأولوا الإستواء في قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى} -طه: 5 - بمعنى الإستيلاء والغلبة. واستدلوا على أن ذلك مشهور في اللغة كقول الشاعر: ... فلما علونا واستوينا عليهم ... *** ... تركناهم صرعى لنسر وكاسر. [1]

وقوله تعالى: {إن ربكم الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} -الأعراف: 154 - أي أنه استوى واقتدر وملك، ولم يرد تعالى بذلك أنه تمكن على العرش جالسا، وهذا كما يقال في اللغة: استوى البلد للأمير، واستوت هذه المملكة لفلان ولم يرد جلوسه وإنما استيلاءه واستعلاءه، فلو لم يكن الأمر كذلك لم يكن ذلك تمددا عظيما، لأنه كلا يصح أن يجلس على سريره وعلى مكانه، وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم خلقه، فنبه على أنه على غيره أشد إقتدارا، كما قال: {رب العرش العظيم} -التوبة: 129 - ونبه بذلك على أنه بأن يكون ربا لغيره أولى. [2] أما العرش بمعنى الملك فذلك أيضا ظاهر في اللغة يقال: ثل عرش بني فلان، أي إذا زال ملكهم. [3] جاء في تفسير: [الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل] لجار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشرى في تفسير قوله تعالى: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) :"قرئ الرَّحْمنُ مجرورا صفة لمن خلق والرفع أحسن، لأنه إما أن يكون رفعا على المدح على تقدير: هو الرحمن. وإما أن يكون مبتدأ مشارا بلامه إلى من خلق. فإن قلت: الجملة التي هي عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ما محلها - إذا جررت الرحمن أو رفعته على المدح؟ قلت: إذا جررت فهي خبر مبتدأ محذوف لا غير وإن رفعت جاز أن تكون كذلك وأن تكون مع الرحمن خبرين للمبتدإ. لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك مما يردف الملك، جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى فلان على العرش يريدون ملك وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضا لشهرته في ذلك المعنى ومساواته ملك في مؤدّاه وإن كان أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر. [4] "

(1) - {شرح الأصول الخمسة} ص: 226.

(2) - {المختصر في أصول الدين} ص: 333.

(3) - {شرح الأصول الخمسة} ص: 227.

(4) -[الكشاف، الزمخشرى، الجزء: 3، ص:3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت