بينما اعتبر ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (المتوفى: 685) الاستواء في كتابه (تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل) دليلا على كمال قدرة الله وإرادته. [1]
وقد وجدت تفسيرا قديما للمعتزلة باسم: (ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل) للشيخ أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني، [2] حيث يذهب إلى أن الله تعالى لما خلق السموات والأرض سطحها ورفع سمكها، فكل بناء يسمى عرشا وبانيه يسمى عارشا، مثل قوله تعالى: (وكان عرشه على الماء) -هود:7 - أي بناءه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة فالباني يبني البناء متباعدا عن الماء على الأرض الصلب لئلا ينهدم، والله تعالى بنى السموات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر والدليل عليه قوله تعالى: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ(12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) -الزخرف:12 - 13 - فثبت أن اللفظ يحتمل هذا المعنى فوجب حمل اللفظ عليه ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء. والدليل عليه عنده هو أن الإستدلال على وجود الصانع تعالى يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد والعرش الذي في السماء ليس كذلك وأما أجرام السموات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزا صوابا حسنا. واستدل على هذا التأويل بقوله تعالى: [3] (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) -الأعراف:54 - إشارة إلى تخليق ذواتها، وقوله: (ثم استوى على العرش) يكون إشارة الى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال المرافقة لمصالحها على هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) - النازعات:27 - 28 - فذكر أولا انه بناها ثم ذكر ثانيا أنه رفع سمكها فسواها، وكذلك ههنا ذكر بقوله: (خلق السموات والأرض) انه خلق
(1) - {أنوار التنزيل وأسرار التأويل} ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، محمد عبد الرحمن المرعشلي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - 1418 هـ، ج:4 ص:24.
(2) - {ملتقط جامع التأويل لمحكم لتنزيل} جاء في بيانه: نصوص أتى بها الشيخ أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني، جمعت من مفاهيم الغيب المشتهرة بالتفسير الكبير للإمام الرازي، عني بجمعه وترتيبه سعيد الألضاري، من دار المصنفين في مدينة أعضم كدم الهند، طبع في مدينة كلتكا المحروسة بمطبعة البلاغ سنة 1230 هـ، ص:20.
(3) - {نفس المرجع} ص: 21.