الأمة في هذه الفترة لم يرافقه اختلاف عقدي. فالإختلاف بين علي وعائشة أولا، وبين علي ومعاوية لاحقا، كان اختلافا قانونيا دستوريا، اقتصر على التشكيك في شرعية مبايعة علي بناء على أن الكثرة الغالبة من المبايعين أتت من صفوف الثوار الذين قدموا من الكوفة. فخلافات المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وسلم في السياسة وليس في الدين والعقيدة، وما أدت إليه من صراعات في موضوع الخلافة وأصول الحكم وفلسفته بالذات، فالمسلمون لم يقاتل بعضهم بعضا لأسباب دينية عقدية وإنما جردوا السيف فقط لهذا السبب السياسي، والشهرستاني يقرر هذه الحقيقة فيقول:"وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان". [1]
ويمكننا إرجاع الخلاف العقدي ضمن الأمة إلى بروز الخوارج كفرقة سياسية متميزة في خضم الصراع بين الخليفة الرابع ووالي الشام. لقد اعتبر الخوارج حركتهم خروجا عن"القرية الظالم أهلها"وبالتالي فكل من بقي في صفوف علي وصفوف معاوية ولم"يخرج"فهو عندهم"كافر"
وقد تزامن مع ظهور الخوارج ظهور الشيعة أيضا كفرقة سياسية وعقدية متميزة أيضا، قامت لمشايعة علي رضي الله عنه وقالوا بإمامته وخلافته نصا ووصية، وقدموه على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ظهرت بعد ذلك فرقة المعتزلة وأهل السنة والجماعة، فأثرت الخلافات السياسية على كل هذه الفرق في تناولها لمسائل العقيدة، فاختلفت مفاهيم الشواهد القرآنية بحسب توجه كل فرقة من الفرق.
موضوع رؤية الله تعالى هو أحد الموضوعات الهامة التي تتعلق بالذات الإلهية، والتي كانت قد تفرعت أصلا من مشكلة"الصفات الإلهية"وأثارت حولها نزاعا وخلافا شديدين امتدا بين مفكري الإسلام على اختلاف فرقهم وطوائفهم، فقد وردت نصوص كثيرة في الكتاب والسنة تدور حول:"رؤية الله تعالى"إثباتا ونفيا، إثباتا نحو: قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (( القيامة: 22 - 23) ونفيا نحو قوله تعالى: (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ) (الأنعام:103) .
المطلب الأول: قوله تعالي (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) :
(1) 2 - [الملل والنحل] الشهرستاني تحقيق محمد عبد القادر الفاضلي، المكتبة العصرية صيدا، بيروت، طبعة 2002 ج: 1 ص: 18