أبو حنيفة رحمه الله أن من لم يحمل النصوص على الحقيقة وتأول صفة اليدين بالقدرة أو بالنعمة فقد أبطل الصفة. يقول:"هو قول أهل القدر والإعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف" [1] كما رفض الإمام أحمد تأويل اليد بالقدرة لأن القدرة صفة مشتركة بين الخالق، والمخلوق يقول فيما رواه عنه ابن بدران الدمشقي:"فإذا قلت بها لزمك أن تقول قدرة تليق بذاته تعالى فأطرح هذا وقل يد تليق بذاته تعالى، وأيضا فالقدرة عرض تحتاج إلى أن تقوم بالجوهر ويلزم في ذلك ما لزم في صلة الكلام من الحدوث لله تعالى." [2]
لكننا إذا رجعنا إلى قول المعتزلة بخصوص القدرة نلاحظ أنها وإن قالت بان أن الله تعالى قادر-وتعتبر عندهم أول ما يعرف استدلالا من الصفات القديم جل وعز ما عداه من الصفات يترتب عليه- إلا انها منعت أن يكون الله قادرا بقدرة، لأن ذلك يعني أن يكون جسما، لأن الجسمية إنما تجب في الواحد منا لعلة، تلك العلة مفقودة في القديم تعالى لأنه تعالى قادر لذاته [3] لا لمعان، لأنها صفة واجبة، والصفة الواجبة تستغني بوجوبها عن معنى، ولأن القديم تعالى يستحيل قيام المعاني به فليس يرجع بذلك إلا إلى الحلول. فمعنى الله قادر عند أكثر المعتزلة كما يقول الجبائي: إثباته تعالى والدلالة على أن له مقدورات. [4] فطريق تفسير الصفات تفسيرا سلبيا هي القاعدة المتفق عليها عند جميع المعتزلة انطلاقا من حرصها على تنزيه الله تعالى عن أي مشابهة بينه وبين المخلوقين. ومن ثم فان استدلال الإمام احمد رحمه الله ليس في محله.
عندما اقتصرت في الحديث عن الاختلاف في فهم الشواهد القرآنية بين المعتزلة والسنة فذلك لأنهما في نظري الفرقتين التي لم تحد عن جادة الصواب، أما بقية الفرق فالأمر مختلف تماما، فإذا نظرنا إلى الشيعة مثلا نجد أنها وإن ذهبت إلى تفسير الصفات تفسيرا سلبيا -مثل المعتزلة-لاَّنها تدلّ على نقص الموصوف بها وعجزه، والله تعالى غني عن كلِّ نقص وعيب بحجة إثبات الكمال والتنزيه المطلق لله،"ولما ثبت غناه وعلمه، فكل ما يجوز على المحتاج لا يجوز"
(1) - {الفقه الأكبر} الإمام أبو حنيفة، ص:27.
(2) {المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل} عبد القادر بن أحمد بن مصطفى المعروف بابن بدران الدمشقي، تصحيح و نشر جماعة من العلماء بإشراف إدارة الطباعة المنيرية دار إحياء التراث العربي بيروت، بدون تاريخ طبع. ص: 8.
(3) - {شرح الأصول الخمسة} القاضي عبد الجبار، ص:162.
(4) - {المحيط بالتكليف} ص:173.