والفناء، يريدون بالله عمرنا والفناء. ويقولون: نواصينا بيد الله ونحن في قبضة الله، يريدون بهذا كله: أنا في قدرته وملكه، ليس يذهبون إلى يد كيد الإنسان أو غيره من الخلق. [1]
أما جملة ما عليه أهل الحديث والسنة أن الله له يدين بلا كيف كما قال: {خلقت بيدي} سورة ص: 75 - وكما قال: {بل يداه مبسوطتان} -المائدة:64 - فقد أجمع أهل السنة على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصف به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكييف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم. [2] وقد عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب قول الله تعالى: {لما خلقت بيدي} ضمن كتاب التوحيد أورد فيه جملة من الأحاديث الصحيحة كلها تثبت صفة اليدين لله تعالى. [3]
وقد رفض أهل السنة تأويلات مخالفيهم من الجهمية والمعتزلة لليد وأنها ليست على الحقيقة وإنما على المجاز، لأن الله تعالى لم يسم في كتابه يدا بنعمة ولم يسم نعمة يدا سمى الله سبحانه اليد يدا والنعمة نعمة في جميع القرآن، وأما النعمة التي هي غير اليد فمن ذلك قوله {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} -آل عمران:103 - وقوله {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} -النحل:53 - فسمى الله تعالى النعم باسم النعمة ولم يسمها بغير أسمائها، ومثل هذا في القرآن كثير، وذكر تعالى أيدي المخلوقين فسماها بالأيدي فقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} -الإسراء:29 - وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} -المائدة:38 - ، وقال: {وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوْا أَيْدِيْهِمْ} -الأنعام:93 - فهذه أيد لا نعمة. [4] وذكر نعمته على زيد ونعمة النبي صلى الله عليه وسلم عليه فسماها نعمة ولم يسمها يدا، ثم أخبر سبحانه عن يديه أنهما يدان لا ثلاثة وجعل الياء استقصاء للعدد حين قال: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) فدل على أنهما يدا الذات، لا يتعارف العرب في لغاتها ولا أشعارها إلا أن هاتين اليدين يدا الذات لاستقصاء العدد بالياء وأما نعم الله فهي أكثر وأعظم من أن تحصر أو تعد قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [5] .ومن ثم فان اليد والأيدي بالقرآن تقطع بالضرورة أن المراد يد الذات لا يد القدرة والنعمة فإن التركيب والقصد والسياق لا يحتمله البتة. ولقد صرح الإمام
(1) - {كتاب العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد الحميد} القاسم الرسي ص: 263.
(2) - {رسالة إلى أهل الثغر} أبو الحسن الأشعري،،تحقيق عبد الله شاكر محمد الجنيدي، مكتبة العلوم و الحكم، المدينة المنورة مؤسسة علوم القرآن بيروت، الطبعة الأولى 1988 م.، ص: 236.
(3) - [الجامع الصحيح] البخاري، الجزء:9، ص:150، الحديث رقم: 7411 باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} .
(4) - {الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة} ابن القيم، ص:166.
(5) - {الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة} ابن القيم الجوزية، ص: 167