الصفحة 25 من 38

والقوة فمعنى الآية: بقدرتي وعلمي، أي يريد أني على ذلك قادر و به عالم توليت ذلك بنفسي، لا شريك لي في تدبيري وصنعي، لا أن قدرتي وعلمي ونفسي غيري، بل أنا الواحد الذي لا شيء مثلي. واستدلوا على ذلك بأنه تعالى بين معنى هذه الآية في آية أخرى، فقال: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} -آل عمران: 59 - وقوله جل ثناؤه: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أ، نقول له كن فيكون} -النحل: 40 - [1] أي الإرادة والقدرة على الخلق. وقوله تعالى: {خلقته بيدي} أي خلقته أنا، فأكد ذلك بذكر اليدين، كما يقال للملوم: هذا ما جنته يداك، وقد يقال: {ذلك بما قدمت أيديكم} -الأنفال: 51 - {وبشرا بين يدي رحمته} النمل:63، وقيل أن فائدة ذلك أنه تعالى خلقه إبتداء لا تدريجيا، على حسب ما خلق ذريته من نطفة ثم درجه حالا بعد حال. [2]

ومما استدلوا به على أن اليد هنا بمعنى القوة أيضا بما ورد في اللغة فيقال: مالي على هذا الأمر يد، أي قوة. [3] وكذلك أولوا اليد في قوله تعالى: {بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} -المائدة: 64 - بالنعمة أي نعمتاه مبسوطتان على خلقه، رزق موسع ورزق مضيق ينفق كيف يشاء أي يفعل ذلك بما هو أصلح لعباده. [4] وذلك لأن تأويل اليد بالنعمة له وجود في اللغة فيقال: لفلان عندي يد، ويدان، وأياد، وأراد الله تعالى بذلك نعم الدنيا والدين، إبطالا لقول اليهود: إن يده مغلولة، لأنهم أرادوا أنه بخيل يقتر الأرزاق على خلقه، ويبين ذلك أنه تعالى شبه بقوله: {لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} -الإسراء: 29 - وإنما أراد أن أنفق قصدا، لا إسرافا ولا إقتارا. [5] وكذلك قوله تعالى: {بيده الملك} -الملك: 1 - يعني له الملك، وذلك أن العرب تقول: الملك بيد فلان، وقد قبض فلان الملك والأرض وذلك في قبضته وبيمينه، يعنون في قدرته وملكه، كذلك السموات والأرض وما بينهما وما فيهما في قبضة الله وبيمينه يعني في قدرته وملكوته وسلطانه اليوم ويوم القيامة وفي كل وقت. كما قال جل ثناؤه: {والأمر يومئذ لله} -الإنفطار: 19 - ، فالأمر يومئذ واليوم لله. وقال تبارك وتعالى لمن عصاه وهو يساق إلى النار: {ذلك بما قدمت يداك} -الحج: 10 - يريد بما كسبت أنت بقولك وفعلك، ليس يعني يده دون بدنه وجوارحه. وتقول: أسلم فلان على يدي فلان، يريدون بقوله وأمره، ويقولون: بيد الله عمرنا

(1) - {العدل والتوحيد ونفي التشبيه عن الله الواحد الحميد} القاسم الرسي ص: 262.

(2) - {المختصر في أصول الدين} القاضي عبد الجبار ص: 334.

(3) - {شرح الأصول الخمسة} ص: 228.

(4) - {العدل والتوحيد ونفي التشبه عن الله الواحد الحميد} القاسم الرسي، ص: 262.

(5) - {المختصر في أصول الدين} ص: 335. و {شرح الأصول الخمسة} ص: 218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت