أكثرهم نظرا إلى الله وهو النعيم الذي لا مثله نعيم. [1] فمن أنكر حقيقة الوجه لم يكن للنظر عنده حقيقة ولاسيما إذا أنكر الوجه والعلو فيعود النظر عنده إلى خيال مجرد. [2]
لما نفت المعتزلة الرؤية نفت أن يكون قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} خاص في دار الآخرة، إذ أن من حق العام أن يجعل على الخاص وبالتالي فإنها دليل على أنه تعالى لا يرى في دار الآخرة، لأن العام إنما يبنى على الخاص إذا أمكنه تخصيصه، وهذه الآية لا تحتمل التخصيص، لأنه تعالى -كما سبق الذكر- يمدح بنفي الرؤية عن نفسه مدحا راجعا إلى ذاته، وما كان نفيه مدحا راجعا إلى ذاته كان إثباته نقصا، والنقص لا يجوز على الله تعالى على وجه. كما أن هذه الآية إنما تخصص تلك الآية إذا أفادت أنه تعالى يرى في حال من الحالات، وليس في الآية ما يقتضي ذلك، لأن النظر ليس بمعنى الرؤية. [3] وإنما النظر المذكور في هذه الآية عندهم بمعنى الإنتظار، أي منتظرة لرحمة الله وناظرة إلى ثوابه ونعيمه في الجنة. واستدلوا على ذلك أن هذا التأويل مما روي عن أمير المؤمنين علي وابن عباس وغيرهما من الصحابة والتابعين. [4] كما أن النظر بمعنى الإنتظار مما ورد في القرآن، كقوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة.} -البقرة: 280 - أي فانتظار، وقوله عز وجل فيما حكى عن بلقيس: {فناظرة بم يرجع المرسلون} -النمل: 35 - أي منتظرة، لأن النظر وإن علق بالوجه وعدى به فغير ممتنع أن يراد به الإنتظار، وعلى هذا قول الشاعر:
وجوه يوم بدر ناظرات *** إلى الرحمان يأتي بالخلاص
على أن"إلى"في الآية على ما قيل هو: حرف جر ولا حرف البعدية، وإنما هو واحد الآلاء التي هي النعم، فكأنه تعالى قال: وجوه يومئذ ناظرة آلاء ربها منتظرة ونعمته مرتقبة [5] ، والوجه على المجاز أي بمعنى الناس أو جملة الإنسان. وقد صح إستعمال الوجه في اللغة على هذه الطريقة،
(1) - {شعب الإيمان} ص: 630 وللاستزادة راجع الجزء الثالث من كتاب {الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق} سليمان بن سحمان، دراسة وتحقيق: عبد السلام بن برجس بن ناصر بن عبد الكريم، نشر: رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، المملكة العربية السعودية الخامسة، 1414 هـ/ 1992 م.
(2) - {توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم} أحمد بن إبراهيم بن عيسى، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثالثة، 1406،الجزء:2،ص:302
(3) - {شرح الأصول الخمسة} ص: 242
(4) - {المختصر في أصول الدين} أبي الحسن عبد الجبار الأسد أبادي، من كتاب {رسائل العدل و التوحيد} اختيار سيف الدين الكاتب، منشورات دار مكتبة الحياة بيروت بدون تاريخ طبع. ص: 337
(5) - {شرح الأصول الخمسة} ص: 246