الصفحة 12 من 38

فلذلك يقول القائل: هذا وجه الرأي، ووجه الطريق، ويريد به نفس الرأي ونفس الطريق. وعلى هذا حمل المعتزلة قوله سبحانه: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} -الرحمان 27 - و {كل شيء هالك إلا وجهه} -القصص: 88 - . [1]

يقول القاضي عبد الجبار:"وربما قيل في قوله تعالى {وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة} إنه أقوى دليل على أن الله تعالى يرى في الآخرة، وجوابنا: أن من تعلق بذلك إن كان ممن يقول بأن الله تعالى جسم، فإنا لا ننازعه في أنه يرى، بل في أنه يصافح ويعانق، ويلمس، تعالى الله عن ذلك، وإنما نكلمه في أنه ليس بجسم، وإن كان ممن ينفى التشبيه عن الله فلا بد من أن يعرف بأن النظر إلى الله تعالى لا يصح، لأن النظر هو تقليب العين الصحيحة نحو الشيء طلبا لرؤيته، وذلك لا يصح إلا في الأجسام. فيجب أن يتأول على ما يصح النظر إليه وهو الثواب، كقوله تعالى {واسأل القرية} -يوسف:82 - فإن تأولناه على أهل القرية لصحة المسألة منهم. وبين ذلك أن الله ذكر ذلك ترغيبا في الثواب كما ذكر قوله {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} - القيامة:24 - 25 - زجرا عن العقاب، فيجب حمله على ما ذكرناه." [2]

وكذلك الأمر في قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} -الأعراف: 143 - وإجابته لموسى: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} -الأعراف:143 فنفى أن يراه، وأكد ذلك بأن علق الرؤية على استقرار الجبل، ثم جعله دكا، {وخر موسى صعقا} ليعلم الله موسى أن رؤيته لا تجوز، لتعليقه إياها بأمر وجد ضده على طريق التبعيد المشهور في مذاهب العرب؛ لأنهم يؤكدون الشيء بما يعلم أنه لا يقع على جهة الشرط، لكن على جهة التبعيد، كما يقول قائلهم"لا كلمتك ما لاح كوكب أو أضاء الفجر"وكما قال الشاعر:

إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب

وكما قال عز وجل: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} -الأعراف: 40 - فكذلك قوله: {فإن استقر مكانه فسوف تراني} ،ثم جعله الجبل دكا بين به انتفاء الإستقرار، وهو دليل على أن الرؤية لا تقع على وجه، لأن الله تعالى لم يذكر الرؤية في القرآن

(1) - {المغني في أبواب التوحيد و العدل} أبي الحسن عبد الجبار الأسد أبادي، حرر نصه أمين الخولي وأشرف عليه طه حسين،،وزارة الثقافة و الإرشاد القومي، المؤسسة المصرية العامة، طبعة 1963 م. ص: 82

(2) - {تنزيه القرآن عن المطاعن} القاضي عبد الجبار من كتاب {التفسير والمفسرون} محمد حسين الذهبي، دار الكتب الحديثة، الطبعة الثانية،1976 م. ص: 399.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت