إلا وقد استعظمها، وهذا الإستعظام يدل على أن رؤية الله تعالى ممتنعة. [1] أما اللقاء كما في قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} -الأحزاب 44 - وقوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فيعمل عملا صالحا} -الكهف: 110 - وغيرها من الآيات التي ذكر فيها اللقاء، فليس بمعنى الرؤية عند المعتزلة، لأنه يستعمل أحدهما حيث لا يستعمل الآخر، ولهذا فإن الأعمى يقول: لقيت فلانا وجلست بين يديه وقرأت عليه ولا يقول رأيته، وكذلك فقد يسأل أحدهم غيره هل لقيت الملك؟ فيقول: لا ولكن رأيته على القصر، فلو كان أحدهما بمعنى الآخر لم يجز ذلك، فثبت أن اللقاء ليس هو بمعنى الرؤية، وأنهم إنما يستعملونه فيها مجازا، وإذا ثبت ذلك فيجب أن تحمل هذه الآيات على وجه يوافق دلالة العقل، فيكون المراد بقوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} أي يوم يلقون ملائكته. وأما قوله عز وجل {فمن كان يرجو لقاء ربه فيعمل عملا صالحا} أي ثواب ربه، ذكر نفسه وأراد غيره. وكقوله {وجاء ربك} أي وجاء أمر ربك، وقوله {واسأل القرية} يعني أهل القرية. فلو كانت هذه الآية دالة على أن المؤمنين يرون الله تعالى، لوجب في قوله {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه} -التوبة 77 - أن يدل على أن المنافقين أيضا يرونه، وهذا مما لا يقول به المخالفون، فليس إلا أن الرؤية مستحيلة على الله تعالى في كل حال، وأن لقاءه في هذه الآية محمول على عقابه، كما في تلك الآية محمول على لقاء ثواب الله أو لقاء الملائكة. [2]
وكذلك الأمر في الحجب في قوله تعالى في سورة المطففين آية:15: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ليست دليلا على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة دون الكافرين عند المعتزلة، لأنه ليس في ظاهر الآية ما يدل على أن الكفار يوم القيامة محجوبون عن رؤية الله لأنه تعالى قال: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} ولم يقل عن رؤية ربهم، فليس المراد بقوله {عن ربهم} عن رؤية ربهم، بل المراد عن ثواب ربهم. [3]
أما الأحاديث المروية في الرؤية، فإن المعتزلة لم تقبلها لأنها أخبار آحاد، وأخبار الآحاد عندهم لا توصل إلى العلم اليقيني، لأن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط فيما يخبر به، كما يجوز عليه الكذب، ومن ثم لا يجوز أن يأخذ بأخبار الآحاد في مسائل أصول الدين التي ندين بها ونقطع بصحتها، فأخبار الآحاد يؤخذ بها فقط في فروع الدين حيث تكفي غلبة الظن، أما في معرفة التوحيد والعدل وسائر موضوعات أصول الدين فلا يجوز الأخذ بأخبار الآحاد. كما أن هذه الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تتضمن الخبر والتشبيه،
(1) - {المغني} القاضي عبد الجبار، ص: 81.
(2) - {شرح الأصول الخمسة} ص: 266
(3) - {شرح الأصول الخمسة} ص: 267