الصفحة 14 من 38

فيجب القطع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يقله، وإن قال فإنه قاله حكاية عن قوم، والراوي حذف الحكاية نقل الخبر. من جملتها ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القدر ليلة البدر". فالخبر هنا يتضمن الجبر والتشبيه، لأنا لا نرى القمر إلا مدورا عاليا منورا، ومعلوم أنه لا يجوز أن يرى القديم تعالى على هذا، فيجب أن نقطع على أنه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لم يقله، وإن قاله فإنه قاله حكاية عن قوم. ومما استدلوا به أيضا على رد هذا الخبر، أنه مروي عن شخص مطعون فيه فلا يمكن الاحتجاج بقوله، ثم إن هذا الخبر معارض بأخبار رويت. [1] منها ما روي عن أبي ذر أنه قال: قلت للنبي: هل رأيت ربك؟ قال: نور هو أنى أراه"يعني لا أراه. فحذف همزة الاستفهام جريًا على طريقتهم في الاختصار، وعلى هذا قول الشاعر: فوالله ما أدري وإن كنتُ دارِيًا ... بسبعٍ رَمَيْنَ الجمر أمْ بِثَمانِ"

وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله أنه قال:"لن يرى الله أحدٌ، لا في الدنيا ولا في الآخرة" [2] وقد قيل لعليٍّ عليه السلام: هل رأيت ربك؟ فقال: ما كنت لأعبدَ شيئًا لم أره، فقيل: كيف رأيت؟ فقال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، موصوفٌ بالآيات، معروفٌ بالدلالات هو الله الذي لا إله إلاَّ هو الحي القيوم. من ثم أولوا الآيات على وجهٍ يُوافقُ دلالة العقل، فقالوا: المرادُ به: سترون ربكم يوم القيامة، أي: ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر، وعلى هذا قال:"لا تضامون في رؤيته": أي: لا تشكون فعقَّبه بالشكِّ. ولو كان بمعنى رؤية البصر لم يَجُزْ ذلك، والرؤية بمعنى العلم مما نطق به القرآن، وورد به الشعر. قال

تعالى: {ألمْ تَرَ إلى ربِّك كيفَ مَدَّ الظِّلّ} [الفرقان: 45] ، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] [3]

وفي الشِّعر: رأيتُ الله إذ سمَّى نِزَارَا ... وأسْكَنَكُمْ بِمَكَّةَ قَاطِنينَا، أي: علمت.

(1) - {المغني} ص: 83

(2) - بحث عن الحديث فلم أجد له تخريج بأي من كتب السنة.

(3) - {العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني القاسمي} ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت الطبعة: الثالثة، 1415 هـ - 1994 م، الجزء:5،ص:235 - 236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت