الصفحة 15 من 38

فلما وجدت أخبار معارضة للأخبار التي رويت في الرؤية فليس التعلق بواحدة منها أولى من التعلق بالأخرى، ويجب عند تعارضهما الرجوع إلى العقل. والعقل يحيل الرؤية للأدلة السابقة الذكر.

والرؤية بمعنى العلم مما نطق به القرآن، وورد به الشعر. فقال الله تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} -الفرقان: 45 - وقال: {الم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} -الفيل: 1 - . وفي الشعر:

رأيت الله إذ سمى نزارا وأسكنهم بمكة فاطنينا، أي علمت الله تعالى. [1]

بينما ذهب أهل السنة إلى أن قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة على ربها ناظرة} القيامة 22 - 23 - دليل على جواز الرؤية من العباد المتقين لله عز وجل في القيامة دون الدنيا، ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثوابا له في الآخرة، لذلك قال في الكفار: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} -المطففين: 15 - .فلو كان المؤمنون والكافرون كلهم لا يرونهم كانوا جميعهم عنه محجوبين [2] ، فلما حجب الكفار في السخط دل ذلك على أن أولياءه يرونه في الرضا، وقد احتج الإمام الشافعي بذلك وغيره من الأئمة.

ومما استدلوا به كذلك أن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديته بنفسه. فإن عدي بفي كان معناه"التفكر والإعتبار"،كقوله تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض} -الأعراف: 186 - وإن عدي"بإلى"كان معناه"المعاينة بالأبصار"، كقوله تعالى: {انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه} -الأنعام: 199 - فكيف إذا أضيف إلى الوجه وتعديته"بإلى"الصريحة في نظر العين. وإخلاء الكلام عن قرينة تدل على خلافه برهان قاطع بأن الله أراد نظر العين إلى الرب جل جلاله. وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث وهو قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما رحمهم الله. [3] منها قوله تعالى: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} -سورة الأحزاب:44 - واللقاء إذا أطلق في اللغة وقع على الرؤية خصوصا حيث لا يجوز فيه التلاقي بالذوات وإلتماس بينهما، ومنها قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام: {قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني}

(1) - [شرح الأصول الخمسة] ص: 270

(2) {اعتقاد أهل السنة أصحاب الحديث} د. محمد بن عبد الرحمان الخميس، دار الصميعي، الطبعة الأولى 1994 م. ص: 69

(3) - [تهذيب شرح العقيدة الطحاوية] عن كتاب - {عصر الدولتين الأموية و العباسية و ظهور فكر الخوارج} علي محمد الصلابي، دار البيارق الأردن، الطبعة الأولى: 1998 م، ص: 163

[شعب الإيمان] ص: 628

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت