ذواتها ثم ذكر بقوله: (ثم استوى على العرش) انه قصد إلى تعريشها وتسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لها. [1]
من ثم منع المعتزلة تفسير الاستواء بالقيام لأنه من صفات الأجسام. واعتبروا استدلال مخالفيهم بالآية غير ممكن، لان صحة السمع موقوفة عليها، فما لم نعلم القديم تعالى عدلا حكيما لا نعلم صح السمع، وما لم نعلم انه غني لا تجوز عليه الحاجة لا نعلمه عدلا، وما لم نعلم انه ليس بجسم لا نعلمه غنيا، فكيف يمكن الاستدلال بالسمع على هذه المسألة. [2]
ومن تمام كمال الله أيضا أثبت أهل السنة الاستواء لله سبحانه وتعالى من غير تأويل ولا تفسير بغير الظاهر، قال الإمام مالك رحمه الله لما سئل عن قوله تعالى: {الرحمان على العرش استوى} -طه: 5 - كيف استوى؟"الإستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة" [3] . فالله تعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة واستقرار عليه، وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوقين. فإستواء الله على العرش مما يتعلق بمشيئته واستطاعته، بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد، لتبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته.
ومن الآيات التي تدل على علو الله على خلقه، علاوة على الآيات التي تنص على استواء الله على عرشه كما يليق به قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} -النحل: 50 - وقد جاءت الفوقية في هذه الآية مقرونة بحرف (من) وهي معينة للفوقية (بالذات) وهو معنى معروف عند أهل اللغة بخلاف قوله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} -الأنعام: 18 - وهي محتملة كما لا يخفى .. [4] فمذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى على العرش علو عظمة وربوبية لا علو ارتفاع مكان ومسافة. [5]
(1) -[نفس المرجع ص: 22.
(2) - {شرح الأصول الخمسة} ص:226.
(3) - {منهج السلف في الأسماء و الصفات} شاكر بن توفيق العاروري، رمادي للنشر الطبعة الأولى 1996 م. ص: 71.
(4) - {الصفات الإلهية في الكتاب والسنة النبوية في ضوء الإثبات والتنزيه} محمد أمان بن علي الجاحي، مكتبة الفرقان، الطبعه الثالثه 2002 م. ص: 227 راجع تفصيلات هذه الصفة من نفس الكتاب صفحة: 224 - 238.
(5) - {كتاب شرح الفقه الأكبر} المتن المنسوب إلى أبي حنيفة وشرح أبي منصور محمد بن محمد الحنفي الماتريدي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الهند، الطبعة الثالثة 1980 م. ص: 19.