الصفحة 23 من 38

كما رفض أهل السنة ومنهم الإمام أحمد على تفسير الإستواء بالاستيلاء، لأن الاستيلاء مادته تقتضي سبق مستوى سابق، وأن الثاني قهر الأول واستولى على ما كان مستوليا عليه، يقول ابن بدران الدمشقي:"فليت شعري من كان المستولى أولا على العرش حتى أن الله تعالى قهره، واستوى عليه ألا يرى أن قولهم استوى بشر على العراق ينادى على أن العراق لم يكن بيد بشر بل كان في يد غيره ثم إن بشرا غلب ذلك المستولي وضم العراق إليه أفيليق بشأن عاقل أن يصف ربه بتلك الصفات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وحيث تبين أن الحق الصراح هو مذهب السلف وأن هذا المذهب ظهر على لسان الأئمة وأخصهم بذلك الإمام أحمد بن حنبل" [1] .

ومن جملة ما استدلوا به كذلك ما ذكره ابن القيم وهو أن لفظ الإستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم وأنزل بها كلامه نوعان: مطلق ومقيد، فالمطلق: مالم يوصل معناه بحرف مثل قوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} -القصص:14 - وهذا معناه كمل وتم، يقال استوى النبات واستوى الطعام. وأما المقيد فثلاثة أضراب (أحدها) مقيد بالي كقوله: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر سبحانه هذا المعدى بالي في موضعين من كتابه في البقرة في قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء} -الآية:29 - والثاني في سورة فصلت {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} -الآية:11 - وهذا بمعنى العلو والإرتفاع بإجماع السلف. (والثاني) مقيد كقوله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} -الزخرف:13 - وقوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} -هود:44 - وهذا أيضا معناه العلو والإرتفاع والإعتدال بإجماع أهل اللغة. (الثالث) المقرون بواو مع التي تعدي الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة بمعنى ساواها وهذه معاني الإستواء المعقولة في كلامهم ليس فيها معنى استولى البتة ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم وإنما قاله متأخروا النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية يوضحه: أن الذين قالوا ذلك لم يقولوه نقلا فإنه مجاهرة والكذب وإنما قالوه استنباطا وحملا منهم للفظة استوى على استولى واستدلوا بقول الشاعر:

قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق

(1) - {المدخل إلى مذهب الإمام أحمد} عبد القادر بن أحمد بن مصطفى المعروف بابن بدران الدمشقي، تصحيح و نشر جماعة من العلماء بإشراف إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي بيروت بدون تاريخ طبع. ص: 8 - 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت