فلو لم يكن مبني ببنية مخصوصة بحاسة وآلة لم يكن رائيا
أما عن القديم فالحدوث لا شرط ولا علة، فهو عالم قدير سميع بصير لكونه قديم في ذاته، فهو مستحق لهذه الصفات من غير أن يكون محدثا مبني ببنية مخصوصة تحتاجها هذه الصفات كما في الشاهد، كما أنه راء لجميع الموجودات بدون شرط ولا علة، إذن فجواز كونه تعالى مرئيا لا يشترط فيه الحدوث فلا يلزم من عدم كونه محدثا عدم الرؤية، ولا يلزم من كونه مرئيا كونه محدثا.
3 -نستطيع أن نثبت جواز الرؤية انطلاقا من الإرادة المطلقة لله تعالى، فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، واذا أراد خلق كل ما يحقق إرادته ومنها تحقيق الرؤية مع إنها ممتنعة ومستحيلة، فهل يقدر احد أن يقول بعدم قدرة الله على ذلك؟.
واستدل على ذلك بآية في القرآن أعجبني تفسير الإمام الأشعري لها وهي قوله تعالى: (وَلَوْ شَآءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلََكِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) -البقرة:253 - . قد يقول قائل وما علاقة هذه الآية بموضوعنا؟
أجيب بأنها من باب القياس واعتبرها أقوى دليل هنا، وبيان ذلك أن هناك من حمل الآية على ظاهرها أي لو شاء أن يمنعهم من القتال لم يكن، يقول الإمام الأشعري:"ولم لا حملتم الآية على ظاهرها وقلتم على أي وجه شاء أن لا يكون القتال لم يكن .. [1] فإذا وقع القتال فقد شاءه، كما أنه قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) -الأنعام: 28 - فقد أوجب ان الرد لو كان إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر، وإنهم إذا لم يردهم إلى الدنيا لم يعودوا، فكذلك لو شاء الله أن لا يقتتلوا". [2]
فالمشيئة عامة ومطلقة: على أي وجه شاء: لما شاء القتال اقتتلوا لو لم يشأ القتال ما اقتتلوا. كذلك قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) وقوله: (إلى ربها ناظرة) إثبات مشيئته المطلقة على أي وجه شاء: لما شاء لم يرينا نفسه لم يرينا إياها، ولو شاء أن يرينا نفسه أرانا إياها.
(1) - {اللمع في الرد على أهل الزيغ و البدع} أبو الحسن الأشعري، ضبط و تصحيح محمد أمين الضناوي، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى 2000 م ص: 37.
(2) - {الإبانة عن أصول الديانة} أبو الحسن الأشعري، تحقيق فوقية حسين، دار الأنصار مصر بدون تاريخ الطبع. ص: 176.