معنى قوله: «لا تدركه الأبصار» لا تدركه كل الأبصار، فيكون المعنى أن جميع الأبصار لا تراه، ولا يراه إلّا المؤمنون، وهي معنى قولهم: سلب العموم لا يفيد السلب. [1]
2 -إثبات حقيقة الرؤية لا تعني إثبات صفات الأجسام لله تعالى، واثبات عدم قدرة أبصار الدنيا على رؤية الله لا تنفي أن تكون لها قدرة مخلوقة من الله في الآخرة تقدر بها على الرؤية، وأبين ذلك من نقطتين أساسيتين:
الأولى: طريقة أهل السنة في إثبات الصفات: فأهل السنة وان أجازوا قياس الشاهد عل الغائب إلا أنهم أجازوه بإثبات أمر مهم، وهو انه ليس كل ما اثبت للموجود سواء المحدث أو القديم دليل تشابه بينهما، بل لا يمنع الإثبات مع التنزيه لله كما يليق به، فمثلا عندما اثبتوا الصفات لله تعالى قاسوها على إثبات الصفات للمخلوق المحدث، لكن تميزت صفات المخلوق أنها مخلوقة محدثة وأثبتوها لله قديمة من هنا كانت المغايرة، وكذلك في مسألة الرؤية لا يعني إثباتها إثبات الحيز والمكان وغيرها من شروط الرؤية التي قال بها المعتزلة.
إذا نظرنا إلى الحدوث كحدوث نجده علة وشرط في الموجودات المحدثة.
الحدوث
علة في الشاهد (من ناحية كونه هو محدث في ذاته) ... وشرط (من ناحية الموجودات المرئيات الأخرى)
فلو لم يكن محدثا لم يكن: لا عالما ولا قادرا ... لأنه توجد موجودات محدثة ولا نراها
ولا بصيرا ولا رائيا لأنها صفات لازمة ... حدوث هذه المرئيات شرط وليس علة
له لكونه محدثا مبني ببنية مخصوصة تحتاجها هذه الصفات ... فالشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود
حدوثه هو في ذاته علة والعلة ما يلزم ... لا يلزم في وجود الحدوث حدوث للرؤية
من وجودها وجود ويلزم من عدمها العدم
يلزم من وجوده كمحدث وجود هذه
الصفات، ويلزم من عدمه عدم هذه الصفات.
فمن جهة الرؤية: فكونه محدثا في ذاته علة لكونه رائيا
(1) - {إعراب القرآن وبيانه} محي الدين الدرويش، دار الإرشاد ـ سورية، ج:3، ص: 188 - 190.