الصفحة 17 من 38

الله هي ذاته، لأنها لو كانت غير ذاته احتاج إلى محل مخصوص فيكون الله محل للحوادث وهذا محال. من هنا نجد أن المعتزلة منعت قياس الشاهد على

الغائب من باب العدل الذي تؤمن به وهو إثبات التنزيه المطلق للذات الإلهية. ومنها كان نفيهم لمسألة رؤية الله تعالى ونفي أن يكون الله رائيا.

وأعتقد أنهم أصابوا وأخطؤوا في هذه المسألة:

فعلى فرض أن الآية (لا تدركه الأبصار) على حقيقة نفي رؤية البصر، لأن: الإدراك المقرون بالبصر يفيد: الرؤية، فلم منعوها في قوله: (وهو يدرك الأبصار) .فلا يجب أن تختلف القاعدة شاهدا وغائبا. ف"لا"في الآية الأولى نافية. [1] . و الواو عاطفة وهو مبتدأ، وجملة يدرك الأبصار خبره. ولأن واو العطف هو الحرف الذي يجمع المتعاطفين تحت حكم واحد، فلو سبقها نفي واقترنت بلا كان من الممكن أن تشترك الآيتين في حكم واحد، فلما كان النفي في الآية الأولى ولم يكن في الثاني دل على أن المعنيان مختلفان. فيكون المقصود: لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير. [2] ومما جاء في بلاغة الآية الثانية: (لا تدركه الأبصار) :

أ-فن الاحتراس: فإنه سبحانه لما أثبت له إدراك الأبصار اقتضت البلاغة فن الاحتراس تفاديا لأن يظنّ ظانّ أنه إذا لم يكن مدركا لم يكن موجودا، فوجب أن تقول: «وهو يدرك الأبصار» لتثبت لذاته الوجود. [3]

وهذا بنظري دليل رائع على أن عدم الإدراك لا يعني عدم الوجود، وبالتالي فان الرؤية تتعلق بماهية الموجود وليس الوجود.

ب- فن اللفّ والنّشر: وسماه بعضهم «فن تشابه الأطراف» ، فقوله: «اللّطيف» راجع إلى قوله: «لا تدركه الأبصار» ، وقوله: «الخبير» راجع إلى قوله: «وهو يدرك الأبصار» . [4] فشبهة المعتزلة في قوله تعالى: «لا تدركه الأبصار» أجاب الأشاعرة عنها بأن قوله: «لا تدركه الأبصار» نقيض لقوله تعالى: «يدرك الأبصار» يقتضي أن كلّ أحد لا يبصره، لأن الألف واللّام إذا دخلتا على الجمع أفادتا الاستغراق، ونقيض السالبة الكلّية الموجبة الجزئية، فكان

(1) - {إعراب القرآن الكريم} قاسم حميدان دعاس، دار المنير ـ دار الفارابى، دمشق سنة الطبع: 1425 ج:1،ص:325.

(2) - {الجدول في إعراب القرآن} ، محمود بن عبد الرحيم صافي، دار الرشيد مؤسسة الإيمان - دمشق الطبعة: الرابعة، 1418 هـ، ج:7،ص:239 - 240.

(3) - {نفس المرجع} ج:3، ص: 190.

(4) - {نفس المرجع} ج:3، ص: 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت