فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 255

والنسخ نوع من التدرج في التشريع، روعي فيه مصالح العباد وأحوال المدعوين وزمن الدعوة فما يصلح في وقت قد لا يصلح في وقت آخر، كما أن ما ينفع مع شخص قد لا ينفع مع غيره، فلأجل ذلك كله سلك الله هذه الطريقة في التشريع حتى يربي الناس شيئًا فشيئًا إلى أن تعتاد نفوسهم تلك التكاليف ويذعنوا لها، إذ لم يكن من الحكمة أخذهم بالشدة والعنف بادئ الأمر، لأن من طبيعة الشدة والعنف التنفي، {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) } آل عمران: 159 عمران: 159.

وابن عاشور - رحمه الله - ممن يرى النسخ في كتاب الله - أعني في زمن الوحي- ألا تراه عند تفسير قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) } البقرة: 106، قال: والمراد بالنسخ هنا الإزالة وإثبات العوض، بدليل قوله: نأت بخير منها أو مثلها وهو المعروف عند الأصولين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع، وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف. إذ البراءة الأصلية ليست حكما شرعيا بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات.

فالأول نحو قوله: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (198) } البقرة:198 في التجارة في الحج حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي.

ومثال الثاني قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (24) } النساء: 24، بعد ذكر النساء المحرمات. وقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ (187) } البقرة: 187، لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت