وفهم من قولهم في التعريف رفع الحكم أن ذلك الحكم كان ثابتا لولا رفعه وقد صرح به بعضهم ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيى بغاية عند انتهاء غايته ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار [1] .
فهذه نظرة ابن عاشور في المسألة وقد أورد ـ رحمه الله ـ أثناء تفسيره للآية المتقدة مسألة نسخ الشرائع بعضها لبعض وذكر للنسخ فيها ثلاث حالات، وكذلك ذكر عدة صور يأتي النسخ فيها.
ومن الآيات التي رأى ابن عاشور أنها واردة في هذا الباب:
قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) } البقرة: 191.
فبعد أن ساق الأقوال في مسألة القاتل الكافر المحارب إذا لجأ إلى الحرم بدون أن يكون قتال، وكذا الجاني إذا لجأ إلى الحرم فارًا من القصاص والعقوبة بعد أن حكى الأقوال في ذلك وساق أدلة الفريقين، رجح ورد على الحنفية وبعض المالكية ومن معهم الذين
استدلوا على عدم جواز قتل الكافر اللاجئ إلى الحرم بنص هذه الآية وأنهها محكمة عندهم وليست منسوخة: قال:"وجواب هذا أن العام المتأخر عن العمل بالخاص ناسخ وحديث ابن خطل دل على أن الآية التي في براءة ناسخة لآية البقرة. وأما قول الحنفية وبعض المالكية: إن قتل ابن خطل كان في اليوم الذي أحل الله له فيه مكة فيدفعه أن تلك الساعة انتهت بالفتح وقد ثبت في ذلك الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزع حينئذ المغفر وذلك أمارة انتهاء ساعة الحرب" (1) .
(1) انظر: التحرير والتنوير: 2/ 657.
(2) ... انظر نفس المرجع السابق: 2/ 206.