{وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} ... حنانٌ ربانيٌّ أودعه الله في قلب هذا الصبي، فنما معه وترعرع وأزهر وأينع، وجمع - عليه السلام - بين الجدِّ والحزم وبين الرفق والحنان؛ فكان هيِّنا ليِّنا سهلا سمحا، قد فاض قلبُهُ بالحنانِ فكان سجيةً فيه لا يتكلفه.
"والحنان صفةٌ ضرورية للنبي المكلف برعاية القلوب والنفوس وتأليفها واجتذابها إلى الخير في رفق" [1] .
{وَزَكَاةً} : أي وطهارة، فالزكاة هي الطهارة والنمو، وتزكية الأنفس تطهيرها، والنهوضُ بها، وهبه الله تعالى نفسا زكية: طاهرة، ترتقي مدارجَ القبولِ وتنهضُ بغيرها إلى أعلى المقامات وأسمى الدرجات 0
{وَكَانَ تَقِيًّا} : كان مطيعا لله - عز وجل -، يمتثل ما أمره به ويجتنب ما نهى عنه.
{وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) } : كان بارا بهما محسنا إليهما، ولم يكن متكبرا أو متعاليا على الآخرين، بل كان متواضعا ليِّنا، رفيقا بالناس محبا للحق ومذعنا له، ومطيعا لله - عز وجل - في جميع أحواله 0
{وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) } : تحية طيبة مباركة لهذا النبيِّ الذي جمع هذه الخلال الحميدة والشمائل الكريمة، فاستحق السلام الذي يعمُّ جميع أوقاته، ويستغرق كلَّ لحظاته الحافلة بالطمأنينة والسكينة حتى في أوقات المحن التي لا تخلو منها حياة الأنبياء والصالحين تمر عليه وهو في سكينة وطمأنينة ويقين ورضا.
قال الإمام القرطبي:"سلم الله تعالى على يحيى وحياه في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى" [2] .
وقال صاحب روح البيان"0 (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ) أي سلامة من الله تعالى وأمان على يحيى، أصله وسلمنا عليه في هذه الأحوال وهى أوحشُ المواطن" [3] .
المناسبة بين هذه القصة ومحور السورة
تبدأ السورة الكريمة بالحديث عن رحمة الله تعالى بعبده زكريا - عليه السلام - حيث استجاب دعاءه ورزقه الولد مع كبر سنه وعقم زوجه التي هيأها الله تعالى لهذه الآية العجيبة، وتتناسب آيات هذا
(1) - في ظلال القرآن لسيد قطب 4/ 2304 0
(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 11/ 88 0
(3) - روح البيان للبروسوي 5/ 320 0