المقطع مع محور السورة وهو الحديث عن رحمة الله تعالى، والتي تتجلى في استجابته سبحانه لدعاء زكريا - عليه السلام - وما اتسم به يحيى من الرحمة وهي غُرَّةُ الشمائل، وينبوعُ الفضائل وعن عبودية زكريا لله تعالى حيث الإخلاص في العبادة والاجتهاد في الطاعة والتذلل والخشوع في الدعاء، ونشأة يحيى - عليه السلام - في محراب العبادة وساحات العلم، وشمائله الكريمة التي تجمع بين الحزم والعزم والرحمة واللين.
الهدايات المستنبطة
* جُبِلَتْ النفوسُ على حب الأولاد، فهم قرة العيون، وثمرات الفؤاد، وفلذات الأكباد، وبهجة النفوس وزينة الحياة، قال تعالى {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) } [الكهف: 46] ، والولد هبة من الله - عز وجل - وإنعام منه سبحانه، قال تعالى {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) } الشورى: 49
وقال تعالى ... {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) } النحل: 72
فالولد هبة وإنعام من الله، وحب الولد: فطرة إنسانية 0
ولقد جاء الإسلام بما لا يجافى هذه الفطرة، ولا ينافى تلك النزعة، بل ينمِّيها ويهذبها، فهذا زكريا - عليه السلام - يطلب الولد: قال تعالى {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) } آل عمران: 38.
ولقد دعا - صلى الله عليه وسلم - لأنس بن مالك بكثرة الولد فقال (اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ) [1] وقد استجاب الله دعوة نبيه وأكثر لأنس المال والولد وبارك له فيما أعطاه 0
قال القرطبي رحمه الله:"وفي هذا رد على بعض جهال المتصوفة حيث قال: الذي يطلب الولد أحمق، وما عرف أنه هو الغبي الأخرق؛ قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) } الشعراء: 84 وقال سبحانه {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) } الفرقان: 74"
وقد ترجم البخاري على هذا"باب طلب الولد". وأورد فيه حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفيه قال لأبي طلحة حين مات ابنه: (أَعْرَسْتُمُ اللّيْلَةَ؟) قال: نعم. قال: ("بَارَكَ اللّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ"
(1) - رواه البخاري في صحيحه عن أنس كتاب الدعوات، باب الدعاء بكثرة المال مع البركة حديث 6378، 6379 فتح الباري 11/ 186 ورواه الإمام مسلم في صحيحه عنه ك/فضائل الصحابة -باب من فضائل أنس بن مالك -صحيح مسلم حديث 2480 - 4/ 1928