الصفحة 23 من 73

مريم في خلوتها

قال تعالى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) }

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} : أي في القرآن الكريم لأن القصص القرآني هو الزاد الذي يتزود به المؤمن في حياته والنور الذي يضيء له الدروب، ومن ثَمَّ فلا بد من دوام التأمل والتدبر في القصص القرآني والاعتبار به، والاقتباس من أنوار الأنبياء والصديقين.

قال القرطبي:" {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ} والخطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، أي عرّفهم قصتها ليعرفوا كمال قدرتنا" [1] 0

وقوله تعالى {إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} (انْتَبَذَتْ) من النبذ، وهو إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به 0

قال الزمخشري: والانتباذ: الاعتزال والانفراد [2] 0

وفى لسان العرب:"وانْتَبَذَ فلانٌ: أي ذَهَبَ في ناحيةٍ، وانتَبَذَ عن قومِهِ: تنحَّى عنهم" [3]

والمكان الشرقي هو شرقي بيت المقدس، اتجهت إليه لتعتكف وتختلي للعبادة، ففي الخلوة رياضة للنفس وسمو بالروح وشحذ للهمة وصفاء للقلب وزيادة قرب من المولى - عز وجل - 0

وإنما جاءها المَلَكُ في هذا المكان الطاهر المبارك كما جاء لزكريا - عليه السلام - وهو قائم يصلى في المحراب حيث البركات والرحمات والنفحات 0

{فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} : أي جعلت بينها وبينهم سترا حتى لا يشغلها شيء عن العبادة، وحتى تستأنس بالحق عن الخلق، وينصرف قلبها للعبادةِ.

قال القاسمي:"لئلا تحجبها رؤية الخلق عن أنوار الحق" [4] .

{فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} : هو جبريل - عليه السلام -، وسمى - عليه السلام - روحًا: لأن الدين أساسه الوحي وهو أمينه، فبالوحي حياة الدين كما يحيا الجسد بالروح وكما تحيا الأرض بالماء 0

والإضافة في ( ... رُوحَنَا) للتشريف والتعظيم وبيان أن جبريل - عليه السلام - مرسل من قِبَلِ ربِّ العالمين مُنزَّلٌ بأمره.

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/ 90 0

(2) - الكشاف للزمخشري 3/ 9 0

(3) - لسان العرب 6/ 4322 مادة ن ب ذ 0

(4) - محاسن التأويل للقاسمي 11/ 115 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت