الصفحة 24 من 73

{فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} : ظهر لها جبريل - عليه السلام - في صورة جميلة وهيئة حسنة؛ امتحانا لها، لكنها بادرت إلى اللجوء والاعتصام بالله تعالى، مخاطبة في هذا الذي قطع عليها خلوتَها تقواه.

وإنما تمثَّل لها - عليه السلام - بهذه الصورة لتستأنس به ولا تنفر منه، ولأنها لا تُطيقُ رؤيته - عليه السلام - بصورته الطبيعية 0

{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) } : استعاذت مريم رضي الله عنها بربّها من ذلك الذي قطع عليها خلوتها ودخل بغير إذن، وفى استعاذتها بالله تعالى ما يدلُّ على كمال إيمانها، وورعها وتمام عفافها وشدة حيائها وحسن أدبها ولباقتها وسرعة بديهتها 0

وفى استعاذتها بالله تعالى متوسلةً باسمه الرحمن توجهٌ إليه سبحانه أن يرحم ضعفها ويصرف عنها السوء، فقد شَمِلَها تعالى برحمته في سائر أحوالها، وهي الآن أحوج إلى أن تَدَارَكها رحمةُ الرحمن، وفى الاستعاذة أيضا استثارة واستنهاض لبواعث الرحمة والتقوى في قلب ذلك الشخص، فهو إن كان رحيما فسوف يرحم ضعفَها ووحدَتَها، وإن كان تقيا فسوف ينصرف عنها ولا يمسّها بسوء 0

{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) } : بادر جبريل - عليه السلام - إلى إزالةِ خوفِها، ووضّح لها أنه مَلَكٌ من ملائكة الرحمن، جاء بأمر من عنده سبحانه ليهب لها غلاما زكيا، أي غلاما طاهرا مباركا [1] 0

{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) }

علمت وأيقنت أن هذه البشارة صادقة، وأن الذى بين يديها مَلَكٌ مرسل من عند الله، ولكنها تعجبت وتساءلت عن كيفية تحقق هذه البشارة العجيبة؛ لأن العادة أن الولادة لا تكون إلا عن حملٍ من رجلٍ، وهي رضي الله عنها لم يمسسها بشرٌ بزواج، وحاشاها أن تكون بغيا 0

{قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) }

(قَالَ كَذَلِكِ) : أي الأمر كما تقولين من أنك غير متزوجة ولست بغية، (قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) فالمولى - عز وجل - هو القادر، وقدرته مطلقة وإرادته نافذة، لا يحدُّها حدود ولا تقيدها قيود، ومن خلق آدم من غير أم ولا أب وخلق حواء من آدم: قادر على خلق عيسى من أم دون أب.

(1) - قرأ أبو عمرو وورش والحلواني عن نافع {لِيَهَبَ لكِ} بالياء لأن الواهب هو الله - عز وجل -.

وقرأ الباقون {لِأَهَبَ لَكِ} لأن الواهب هو الله - عز وجل -، وجبريل - عليه السلام - أرسله ربه ليبشرها وليقوم بمهمة النفخ فيها لتتحقق هذه المعجزة بقدرة الله - عز وجل - 0 يراجع: حجة القراءات لابن زنجلة ص 440 والنشر في القراءات العشر 2/ 317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت