الصفحة 38 من 73

فائدة حول الصمت: قال تعالى: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) } مريم: 26

التزمت مريم بالصمت؛ حتى تفسح المجال لمن هو أفضل منها وأبلغ منها ليثبت لقومها طهارتها ونزاهتها وعفتها 0

ولقد بلغ قومها من السفاهة مبلغا عظيما حتى رموها وهى الطاهرة العفيفة بما هي بريئة منه، ومع ذلك فإنها امتنعت عن الكلام، وفى ذلك إشارة إلى الإعراض عن السفهاء وعدم مجاراتهم في سفههم 0

قال الإمام الشافعي

إذا نَطَقَ السفيهُ فلا تجبْهُ فخيرٌ من إِجابتِهِ السكوتُ

سكتُّ عن السفيهِ فظنَّ أني عييتُ عن الجوابِ وما عييتُ [1]

حكم نذر الصمت في شريعتنا

لا يجوز نذر الصمت في شرعنا لما فيه من التضييق وتعذيب النفس 0

ففي صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ 0 [2]

يقول صاحب التفسير المنير"وليس الصوم عن الكلام مشروعا في الإسلام، روى ابن أبى حاتم وابن جرير عن حارثة قال كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان، فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر فقال ما شأنك قال أصحابه حلف ألا يكلم الناس اليوم فقال له ابن مسعود كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعنى بذلك مريم عليها السلام ليكون عذرا لها إذا سئلت" [3] 0

* قوله تعالى (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) : أبلغ ردٍّ على ما ارتكبه النصارى في حملاتهم الصليبية من فظائع وجرائم باسم المسيح كما يزعمون حتى قال أمير الشعراء متهكما ومنكرا:

يا حاملَ الآلامِ عن هذا الورى ... كثُرتْ عليكَ باسمِكَ الآلامُ!

(1) - ديوان الإمام الشافعي / راجعه وعلق عليه د 0 محمد زهدي يكن ص 49

(2) - رواه البخاري في صحيحه كتاب النذور والإيمان - باب النذر فيما لا يملك وفى معصية حديث 6326

فتح الباري 11/ 594 0

(3) - التفسير المنير للدكتور وهبه الزحيلي 16/ 77، ويراجع الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/ 98 وجامع البيان للطبري 8/ 332

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت