الصفحة 40 من 73

وتبيين أنهم سالكو غير طريقه، وفيه صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به وأن ذلك متلقى بالوحي" [1] ."

التفسير الإجمالي

قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) }

إن أول ما يستوقفنا في حوار إبراهيم - عليه السلام - مع أبيه تلك الطريقة الحكيمة التي سلكها لإقناع أبيه، حيث حاكمه إلى مقدمات مسلَّمة، وثوابت لا مجال لإنكارها، وذلك من باب النصح والإرشاد النابع من قلبٍ صادق وعاطفةٍ رقيقةٍ وعقلٍ راجح: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) } .

{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ} : فهذا الحوار جدير بأن يذكر ليقتبس منه الدعاةُ والمصلحون منهجا للدعوة والحوار.

{ ... يَاأَبَتِ} : نادى عليه بعاطفةٍ قوية نابعة من فطرة نقية، فالابن البارُّ دائمَ الحرص على والده، والإشفاق على حاله ومآله، ومن ثَمّ كان هذا النداء الرقيق يَاأَبَتِ: ليفتح قلب أبيه ويرقق مشاعره.

{إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا}

ما الذي يرغمك على عبادة أحجارٍ لا تسمع ولا تبصر؟ وكيف تتوجه لها بالدعاء وتتضرع لها وتقدم لها القرابين، مع أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تغني عنك شيئا؟

فالأصل في العبادة أن تكون موجهة لذي الكمال والجلال، أمَّا أن تعبد أصناما ناقصة في ذاتها وفي أفعالها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تملك لعابدها نفعا ولا ضرا، بل لا تملك لأنفسها شيئا من النفع، ولا تقدر على شيء من الدفع، فهذا ينمُّ عن جهلٍ ويَبِينُ عن سَفَهٍ.

ولقد بدأ - عليه السلام - حواره بأسلوب الاستفهام الذي يحمل معنى التعجب والإنكار، وهذا أسلوبٌ لطيفٌ، يحملُ المحاورَ المخالفَ على التفكيرِ، وإعادةِ النظر في الأمر، للوصول إلى الحق بنفسه، حتى لا يشعر بأنه أُفحِم وبُهِت، فتأخذه العزة بالإثم، ويمتنع عن قبول الحق انتصارًا للنفس، ولو بالباطل.

(1) - البحر المحيط لأبي حيان 6/ 191

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت