الصفحة 41 من 73

{يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) } : أراد أن يلفت نظر أبيه إلى أن الحوار الهادف الذي بدأه معه لا بد وأن ينبني على العلم حتى يصل إلى نتائج صحيحة؛ فالعلم هو الذي يهدي إلى الحق ويبصِّر بالنور، وأنه - عليه السلام - لما كان على علمٍ، صارَ جديرا بأن يُتبع، وهذا من تأدبه وترفقه بأبيه فلم يصرح له بجهله وإنما عبَّر بهذا الأسلوب الذي يحقق المطلوبَ، دون أن يجرح مشاعرَ أبيه وينفره من دعوة الحق.

{يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) } .

فكل من سلك طريق الغوايةِ والضلالِ فهو عابدٌ للشيطانِ ووليٌّ له، والشركُ من وسوسةِ الشيطانِ وتزيينِهِ.

ثم يختمُ كلامه بتحذيره من سخط الله وعذابه فيرافق الشيطان في جهنم كما وافقه في الدنيا، فحذره وأنذره من عذاب الرحمن مع مرافقة أهل الكفر والعصيان في النيران.

{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) }

مع هذا اللطف في الدعوة والترفق في المحاورة قابل إبراهيم أباه بالإنكار والتقريع والعنف والتهديد الشديد بالرجم وطلب منه أن يهجره.

فالعجب من هذا الأب الكافر الذي يقابل هذه الدعوة الطيبة والأسلوب الهادئ بالقذف بالحجارة والتهديد والوعيد إنه منطق الكفر حين تعييه الحجج ويعجز عن مقابلة البرهان.

لكن إبراهيم - عليه السلام - يقابل هذه الغلظة والجفوة برقة وحنان ورفق ولين، فيقول {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) } : قابل الهجر والخصام، باللين والسلام، ووعده بأن يستغفر له ربه الذي تعود منه الحفاوة والإكرام.

فهو سبحانه البرُّ اللطيفُ: والمراد أنه يستجيب لي إذا دعوته لأنه عوَّدني الإجابة لدعائي، وهو بذلك يرغِّب أباه ويحببه في هذا الرب الكريم ويعرِّفه به.

{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) } أعلن البراء مما عليه أبوه وقومه واعتزالهم، مع رجائه وحرصه في توبتهم، فوهبه الله تعالى ذرية طيبةً وجعل النبوة والكتاب فيهم.

{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت