{عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} أي: عسى اللهُ أن يسعدني بإجابة دعائي، وقبول أعمالي، وهذه وظيفة من أيس ممن دعاهم، أن يشتغل بإصلاح نفسه، ويرجو القبول من ربه، ويعتزل الشر وأهله.
{فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا}
من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه؛ فهذا إبراهيم يعتزل قومه وينتصر للحق على حساب العاطفة والمصلحة، فيعوضه الله تعالى بأهله وعشيرته ذريةً طيبةً، ويجعل النبوة فيهم {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} .
{وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} : وهذا يشمل جميع ما وهب الله لهم من الرحمة، من العلوم النافعة، والأعمال الصالحة، والذرية الطيبة، الذين كثر فيهم الأنبياء والصالحون.
{وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} : فذكرهم في الخافِقَينِ يترددُ، والثناء عليهم ومحبتهم نبضُ القلوب، وحديثُ الألسنة، فهم أئمة الهدى ودياجير الظلام وأعلام الحق، ولا تزال ذكراهم في سائر العصور تتجدد، وهذا أيضا من الرحمة التي وهبها الله لهم عليهم السلام.
المناسبة بين قصة إبراهيم - عليه السلام - ومحور السورة
لهذه القصة اتساقها وانتظامها مع محور السورة الكريمة حيث تبينُ لنا شمولَ رحمةِ اللهِ لإبراهيم - عليه السلام -، وكمال عبوديته لله تعالى، ودعوته إلى إفراد الله تعالى بالعبادة وتجريد التوحيد من كل شوائب الشرك.
الهدايات المستنبطة.
* في وصف إبراهيم - عليه السلام - بالصديقية قبل وصفه بالنبوة: إشارة إلى أن الصدق سجيةٌ فيه وأنه كسائر الأنبياء عليهم السلام عُرفوا بين الناس بالصدقِ قبل بعثتهم، كما كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يدعى قبل بعثته بالصادق الأمين، فاستقامة الداعية وحسن سيرته أدعى إلى قبول دعوته وثقة الناس فيه.
* لطف الخطاب , وأدب الحوار مع المخالف، فرغم عِظَمِ المخالفةِ وجلاء الحق وزيف الباطل , إلا أن هذا لا يمنع من الحوار حول هذه القضية المحسومة؛ فالحوار هو وسيلة الإقناع.
*"يبدأ إبراهيم - عليه السلام - خطابه لأبيه بلين وأدب جميل، واستعطاف يبدأه بنداء الأبوة {يَاأَبَتِ} يستثير بهذا النداء أبوته الحانية، ويحرك مشاعره الراكدة، يلامس بهذا شغاف قلبه، ليس هذا"