الصفحة 47 من 73

وفي صحيح مسلم بسنده من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - رضي الله عنه - رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ قال: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (ثُمّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السّمَاءِ الرّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلاَمُ. قِيلَ: مَنْ هَذَا قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمّدٌ. قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ، فَرَحّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ. قَالَ الله عَزّ وَجَلّ: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا(57) } ) [1] .

من تمام رحمته وكمال إنعامه على أنبيائه وأصفيائه

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) .

"لما أفرد سبحانه كلَّ رسول من رسله العشرة الذين سبق ذكرهم في هذه السورة بالثناء عليه بما هو جدير به، أعقبه بذكر بعض ما جازاهم به من النعم، فقد هداهم إلى سبيل الخير واصطفاهم من سائر خلقه" [2] .

بعد أن نثر في هذه السورة الكريمة ذكر هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم السلام، نظم في ذلك العقد الفريد تلك الدرر البهية، لتزداد وهي مجتمعةٌ منتظمةٌ حسنا ورونقا، وروعةً وتألقا، وتبينَ عن المعدن النفيس والأصل الطاهر الذي تفرَّعت منه تلك الشجرة العريقة المباركة.

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ: أولئك الذين ورد التنويهُ بذكرِهِم تشريفًا وتكريمًا، وإبرازًا لمحاسِنِهم ونشرًا لمناقِبِهم، فهم نجومُ الهدى ومصابيحُ الدجى وأعلامُ الحقِّ، هم الذين أنعم الله عليهم واصطفاهم بالنبوة من ذرية آدم وممن نجاهم الله مع نوح ومن ذرية إبراهيم وابنه إسرائيل (يعقوب - عليه السلام -) وممن هداهم الله وطهرهم واجتباهم وآثرهم، وحبَاهُم بخير المواهبِ، ورفعهم إلى أسمى المراتب، فهم خيارٌ من خيارٍ، ومن كريم خلالهم ودليل صدقهم: حسن تدبرهم وتأثرهم بكلام الله تعالى، حين يتلى عليهم فتراهم سجدًا وبكيًا، خشوعا وخضوعًا وهيبةً وإجلالًا لمقام ربهم وعظمة كتابه الذي يرقق القلوبُ ويسمو بالأرواح ويغذِّي العقول.

والآية تشير إلى أن الأنبياء جميعا قاموا لله تعالى بالعبودية وكذلك المسيح عبد الله ورسوله، كان لله قانتا خاشعا، فكيف يدعي النصارى أنه ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوَّا كبيرا.

(1) - رواه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب الإِسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - السماوات وفرض الصلوات - حديث 162 - (259) .

(2) - حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن للشيخ محمد الأمين بن عبد الله الأُرَمِي العلوي الهرري الشافعي 17/ 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت