الصفةُ الأولى: صفة الرحمة، وهي من صفات الكمال الرباني، والتي تتجلى في كل ذرة من ذرات هذا الكون، وتفيض بظلالها على كل مخلوقٍ، ففي هذه السورة الكريمة نستشعر الرحمة في كل آيةٍ من آياتها، ونلمسها ونرى آثارها في كل معنى من معانيها.
ولقد تكررت كلمة"رحمة"واسم الله"الرحمن"في هذه السورة في ستة عشر موضعا فجاءت كلمة"رحمة"أربع مرات مضافة في جميعها إلى الله تعالى، كما جاءت كلمة الرحمن اثنتا عشرة مرة؛ مما يؤكد ويقرر الهدف العام من هذه السورة؛ ليمتلئَ قلبُ المؤمن ويفيضَ بالرحمات، ويعظُمَ رجاؤه ويستبشرَ فؤادُه برحمة الله، فيزداد من الله تعالى حبا وقربا ورجاءً، ويقوى يقينُه حين يعاينُ في رحلته مع هذه السورة الكريمة صورا ومشاهد تتجلى فيها لطائفُ الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء.
ومن رحمته تعالى التي تتجلى في هذه السورة الكريمة: إمهاله العصاة وصبرُه على المشركين، مع إقامة الحجج ودحض الشبه وفتح باب التوبة والرجوع.
الصفةُ الثانية: وهي من صفات الكمال الإنساني ومن أسمى وأجلِّ المقامات وأسنى المقاصد التي من أجلِها خُلق الإنسان، إنها العبوديةُ لله تعالى وهي سموٌّ وارتقاءٌ وتحررٌ ونقاء، وخشوعٌ وتبتُّل.
وإذا كانت رحمته تعالى هي من كمال صفات الربوبية، فإن غاية الإنسانية وكمالها في عبوديتها الخالصة لله تعالى، وهذه الصديقة مريم التي سميت السورة باسمها قد نذرتها أمُّها محررةً أي خالصةً للعبادة، وسمّتها مريم بمعنى العابدة [1] ، والعبودية لله سمو وارتقاء ونهوض وتحرر وعزٌّ.
من هنا نصل إلى المناسبة بين اسم السورة ومحورها.
من هنا كان الهدف من هذه السورة: تحقيق العبودية وتعظيم شأن الربوبية وفي ذلك شرف العبد وكماله، وتحقيق الغاية من وجوده والهدف الأساسي لهذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده. قال ابن تيمية رحمه الله:"وإنما دين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه وهو تحقيق محبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه وتكمل محبة الرب لعبده وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا" [2]
(1) - قال ابن حجر"ومريم بالسريانية تعني الخادمة"فتح الباري 6/ 541، ويراجع روح البيان للبروسوي 2/ 27، ومحاسن التأويل للقاسمي 4/ 91.
(2) - مجموع الفتاوى لابن تيمية 10/ 213