الصفحة 57 من 73

حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ: إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا) [1] .

الجولة الثانية

النظرة المادية القاصرة والموازين المقلوبة

قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) } مريم: 73 - 76

إلى جانب إنكار أولئك الكفرة ليوم البعث مع ظهور علاماته وجلاء آياته فكذلك دأبهم مع آيات الله البينات، فبيّنت الآياتُ الكريمةُ ما هم عليه من كذب وإعراض وعُجبٍ واغترار، حيث لا ينتفعون بآيات الله ولا يتأثرون بها حين تتلى عليهم، بل يتعمدون الانصراف إلى التفاخر بالحسب والمال.

قال القرطبي:"وغرضهم إدخال الشبهة على المستضعفين، وإيهامهم أن من كثر ماله دل ذلك على أنه المحق في دينه، وكأنهم لم يروا فيهم فقيرا ولا في المسلمين غنيا ولم يعلموا أن الله تعالى نحَّى أولياءه عن الاغترار بالدنيا وفَرْطِ الميلِ إليها" [2] .

{قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) }

بدلا من أن تُثيرَ شجونَهم، وتَرِقَّ قلوبُهم فيخرون لله سجدا وبكيا كما أخبر تعالى عن عباده المصطفين من الأنبياء والصديقين تراهم يزيدون عتوًّا ونفورا واستعلاءً وغرورا، وعلامة ذلك قولهم: أيُّ الفريقين خير مقامًا أي أعظم منزلة وأحسن نديًا أي مجلسا ومنتدًى، تفاخروا بمجالسهم ونواديهم التي كانوا يجتمعون فيها للتشاور في أمورهم، والتفاخر فيما بينهم والتسامر حتى غدوا يتباهون بتلك المجالس وزينتها وأثاثها وأضوائها وروَّادها.

(1) - رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هُرَيْرَةَ كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها حديث 329 - (195) . قال النووي رحمه الله:"أَمَّا (شَدّ الرِّجَال) فَهُوَ بِالْجِيمِ جَمْع رَجُل هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَعْرُوف الْمَشْهُور، وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّهُ فِي رِوَايَة اِبْن مَاهَانَ بِالْحَاءِ. قَالَ الْقَاضِي وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى وَشَدّهَا عَدْوهَا الْبَالِغ وَجَرْيهَا .."صحيح مسلم بشرح النووي 3/ 72.

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 11/ 141، 142

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت